الدكتور سعيد العوادي يسبر غور “ثنائية الطعام والكلام في التراث العربي” في محاضرة علمية افتراضية

الدكتور سعيد العوادي يسبر غور

“ثنائية الطعام والكلام في التراث العربي” في محاضرة علمية افتراضية

 

قدم الأستاذ الدكتور سعيد العوادي، الأكاديمي والباحث في البلاغة الثقافية بجامعة القاضي عياض، محاضرة علمية افتراضية بعنوان «ثنائية الطعام والكلام في التراث العربي»، من تنظيم كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات بالتعاون مع هيئة الأدب والنشر والترجمة ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وقد أدارت اللقاء الدكتورة ديمة عبد الجبار، الأكاديمية والباحثة في اللغة والتراث بكلية مكة الأهلية، وبحضور الأستاذ عمر الدليمي الباحث المساعد بكرسي اليونسكو.

وتناول المحاضِر خلال اللقاء حفريات بلاغية وثقافية استكشف فيها العلاقة الوطيدة بين الغذاء والخطاب في الفكر العربي، مؤكداً أن الطعام ظلّ لفترات طويلة محصوراً في إطار فيزيولوجي وبيولوجي صرف يمس الجسد لا العقل، قبل أن تشهد الدراسات الحديثة تحولاً جذرياً جعل منه مادةً للفهم والتحليل الثقافي لا للهضم فقط.

واستهل الدكتور سعيد العوادي حديثه بالانطلاق من نص لـ «أبي يعقوب السكاكي» في كتابه مفتاح العلوم، حيث وقف عند تمييزه بين «قِرَى الأشباح» (إطعام الأجساد) و«قِرَى الأرواح» (إفادة النفوس بالكلام والفكر). وأوضح الباحث كيف انتقل مبدأ التنوع والمخالفة من ألوان المأكولات إلى الأساليب الكلامية لدفع الملل عن النفس، متناولاً تشكّل استعارات تصورية كبرى في اللغة العربية مثل «الكلام غذاء» و«القارئ إنسان ناعم».

كما بيّن المحاضر كيف امتدت المرجعية الطعامية لتصوغ أصول المصطلحات البلاغية والنقدية في التراث العربي:

  • البلاغة: التي ترتبط بـ «البُلْغَة» وهو الزاد القليل للمسافر، مما يربط مفهوم البلاغة بالإيجاز وطي طريق القول بأهون جهد، وتتجلى في قولهم «إجاعة اللفظ وإشباع المعنى».

  • الفصاحة: المأخوذة من «اللبن الفصيح» وهو الحليب الخالص بعد إزالة الرغوة والشوائب.

  • الذوق: الذي تحول من حاستيه الحسية على اللسان (تذوق الطعوم واللقم) إلى معيار معنوي لاختبار الألفاظ واستحسان النصوص الأدبية والقرآنية.

  • الأدب والمائدة: حيث اتفقت المعاجم ومؤرخو الأدب على رجوع كلمة «أدب» إلى «المأدبة» والداعي إليها، وانتشار استعارة «الكتاب مائدة» المليئة بمختلف المذاقات.

وفي محوره المتعلق بالخطاب الأدبي، استعرض العوادي حضور الطعام في الشعر العربي عبر ثلاث شخصيات رئيسية: الكريم (صاحب الطعام الموهوب)، والبخيل (الطعام المرهوب)، والطفيلي (الطعام المنهوب). وأشار إلى أن قصيدة الضيافة الجاهلية قدمت نموذجاً درامياً يتصارع فيه الكريم مع قوى معوقة (كالليل والبرد والزوجه الداعية للتدبير)، مستعيناً بقوى مساعدة تؤكد جاهه وكرمه كالسكن في الأعالي، وإذكاء النيران المبخرة، واستنباح الكلاب، ونحر النوق.

وأضاف أنه مع انتقال المجتمع العربي من البداوة إلى التحضر والتمدن، تأنقت أشعار الموائد وظهرت «شعرية اليومي والهامشي» التي امتدت لوصف أصحاب المهن الغذائية وأعمالهم، مستشهداً ببراعة ابن الرومي في وصف الخباز وهو يدحّ الرقاقات.

وشهدت الفعالية تفاعلاً من المتابعين، حيث أجاب الدكتور العوادي عن أسئلة تتعلق بالأبعاد الأنثروبولوجية للطعام؛ متطرقاً إلى ظاهرة صنع آلهة من التمر وأكلها عند الجوع في العصر الجاهلي باعتبارها سلوكاً رمزياً يتسرب فيه أثر القداسة والروح إلى داخل الذات.

كما تطرق إلى التأطير الأخلاقي والقيمي الذي أحدثه التصور الإسلامي للمائدة من خلال آداب الطعام والتسمية والأكل باليمين، مشيراً إلى التلازم الدائم بين تهذيب اللسان وتهذيب المائدة، إلى جانب لطافة التسميات العربية التي وزعت الأطباق بين الذكورة والأنوثة.

واختتم الأستاذ الدكتور سعيد العوادي المحاضرة بتأكيد أن التراث العربي ينطوي على حضارة حوارية منتجة غنية بالأنساق الفكرية الثقافية، مشدداً على أن علاقة الإنسان العربي بالغذاء لم تكن مجرد سد لرمق الجسد، بل كانت مدخلاً رئيساً لبناء مفاهيم الهوية، والسلطة، والدين، والجمال. ودعا الباحثين إلى قراءة هذا المنجز الحضاري بعمق ومحبة لإبراز قيمه المضمرة.

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top