تقديم الدكتور سعيد العوادي لكتاب الرائحة والفنون

يغلب على دراساتنا النقدية العربية الحديثة اهتمام واسع بالموضوعات المكرورة، ولعل فهمنا المبسّط للأكاديمية في جامعاتنا عامل حاسم في الاطمئنان إلى هذا الاختيار البحثي الذي يشدّد على ضرورة توافر الكتابات السابقة في الموضوع المختار للبحث، مما يخلق جوا علميا يشجّع الباحثين على التكرار وإعادة الصياغة والنسج على منوال الآخرين، ويرتاب من كل مغامرة بحثية تتغيّا الإبداع وطرْق الموضوعات غير المألوفة.
ويظهر لي أن الدكتور رضا الأبيض من الباحثين القلائل الذين راموا اجتراح مسلك بحثي غير معبَّد في الثقافة العربية هو “مبحث الرائحة” الذي يتناوله من خلال رؤية منهجية بيْنية تكاملية، مجدِّدا في الموضوع والقراءة معا. فقد سبق لي أن قرأت مؤلّفه “كتابة الرائحة في نماذج من الرواية العربية”، فوجدته نوعيا في تتبّعه لمسار الروائح في الخطاب الروائي، منبّها الروائيين والنقاد على حد سواء إلى أهمية الالتفات نحو الأدوار الواقعية والرمزية للرائحة في الخطاب.
ويمضي الدكتور رضا الأبيض في تقوية اهتمامه بالرائحة ضمن هذا الكتاب الجديد الذي وسمه بـ “الرائحة والفنون” ليفتح الأفق الفني على مدى أوسع، فيدرس العالم الشمي في فنون النحت والرسم والمسرح، متفنِّنا في الوقوف عند موضوعات ثرية مثل: التماثيل المعطَّرة والرسم الحِنّائي والمسرح الشمِّي، وهي موضوعات لم تحظ بالتعريف اللازم والعناية البحثية التحليلية الكافية في عالمنا العربي. فضلا عن تفنّن الباحث في تقريبها للقارئ المتخصِّص والعام بأسلوب يجمع بين الإقناع والإمتاع.
إن الكتابة في موضوع الرائحة تفتح أعيننا على التاريخ المنسي للأنوف، وتزحزح في الآن نفسه مركزية “العين” التي اختزل فيها جمهور الفلاسفة والنقاد والباحثين القدرة الحصرية على التشابك مع العالَم وفهمه؛ لذلك انتبه الأنثربولوجي الفرنسي المعاصر دافيد لوبْروطون إلى إمكانية الانتقال من مصطلح “رؤية العالم” إلى مصطلح “تذوّق العالم”، وجَلَّى هذا الانتباه بقوله: “لتحديد ثقافة ما، عادة ما يتم استعمال عبارة “الرؤية للعالم” بحيث يتم جعل البصر أولوية حسية، لكن من الممكن أيضا الحديث عن تذوّق العالم بما أن المقولات الغذائية تنتظم العالم بطريقتها الخاصة وتتحكّم بالضبط في حلاوة الوجود”. ولعلّ هذا الانتقال الذي دعا إليه لوبروطون يغري باقتراح آخر هو “شمّ العالم”، وإن كنتُ لا أؤمن بفكرة الانتقال الإبدالي التي صدر عنها، وإنما بالانتقال الموازي الذي يجعل العيون والألسنة والأنوف تتعاون في بناء تصوّر متكامل، تماما مثل “رؤية العالم” و”تذوق العالم” و”شم العالم” التي تتساند في تجسير الفهم ومنح معنى ناضج للوجود.
وفي ختام هذا التصدير الموجز ألتمس من الدكتور رضا الأبيض أن يخصِّص كتابا مستقِلا يتناول الرائحة في التراث العربي الإسلامي، ويمتدّ فيه من تلك الوقفة الرائعة التي وقفها في “كتابة الرائحة في نماذج من الرواية العربية”، ليوسِّع البحث في “روائح تراثنا” ويقدِّم للدراسات المهتمة بالتراث كتابا نوعيا يسدّ فراغا في هذا المجال. خصوصا أن المطلِّع على تراثنا يلحظ حضورا بارزا للرائحة في المعجم والأخبار والأمثال والأشعار والمقامات والرحلات، مع تأطير معقَّد ضمن قضايا الدين والهندسة الاجتماعية والجندر وغيرها.
والأمثلة التي تحفِّز على هذا الكتاب كثيرة؛ فعندما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو كنت تاجرا ما اخترت غير المسك، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه”، لم يكن يرى في الرائحة الطيبة خسارة، بقدر ما كان يرى فيها شكلا آخر من الربح. وحين رفض ذلك الإعرابي غسل يديه بعد أكل وجبة دسمة من اللحم، وقال: “فقد ريحه كفقده”، كان يريد عدم زوال رائحة اللحم؛ تلك الرائحة التي ستبقى دليلا شميّا على الأكل المحشو في المعدة، مما يجعل قولة الأعرابي تجهر بما يمكن للرائحة أن تقوم به في زمن الفاقة. وأيضا ذلك الشاعر عاثر الحظ الذي عذَّبه الممدوح بروائح الأطعمة، حتى قال: “الروائح تقتلني، والمُشاهدة تُحَسِّرُنِي”، مما يكشف عن جانب آخر طريف قد نسمّيه “آلام الرائحة”.
أستاذ البلاغة الثقافية
كلية اللغة العربية – جامعة القاضي عياض – المغرب




