حوار مع د سعيد العوادي في الأهرام العربي أجراه الأستاذ المتميز السيد حسين

الإبداع ليس حكراً .. والنقد موقف من الحياة
قال الناقد والباحث المغربى، الدكتور سعيد العوادى، إن الفوز بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها 19 فرع الفنون والدراسات النقدية، بدعم الرصيد الذى حققه الباحثون المغاربة الفائزون قبله بالجائزة أو جوائز عربية أخرى، مما يدل على الحركية النوعية النقد والبلاغة والأدب فى بلدى المغرب.
العوادى أكاديمى مغربى، يشغل منصب نائب العميد للبحث العلمى والتعاون، وأستاذ البلاغة وتحليل الخطاب فى كلية اللغة العربية بجامعة القاضى عياض فى مراكش، وتتركز أبحاثه واهتماماته النقدية، حول بلاغة البديع فى الخطاب الشعري، وحجاجية الصورة، وبلاغة خطابات الحياة اليومية.
أصدر د. سعيد العوادى مجموعة من الأعمال منها: «أسئلة البديع: عودة إلى النصوص البلاغية الأولى، «حركية البديع فى الخطاب الشعرى: من التحسين إلى التكوين».
■ كيف استقبلت خبر الفوز بجائزة الشيخ زايد فرع، الفنون والدراسات النقدية»؟
الظفر بجائزة الشيخ زايد للكتاب، حدث استثنائى بلا شك لما هو معروف عن هذه الجائزة فى الأوساط الثقافية العربية والعربية، من رصانة عالية تستند إلى معايير عالية فى التحكيم، واختيار الأعمال الفائزة، خصوصا فى فرع مهم مثل فرع الفنون والدراسات النقدية» الذى تحتدم فيه المنافسة عادة بين أعمال جادة، بنزع بعضها نحو دراسة الفنون المختلفة، ويميل بعضها إلى الدراسة النقدية فى منحيبها النظري والتطبيقي، وعلى هذا الأساس، فقد استقبلت خير الفوز بقطر كبير واعتبرته تتويجا لمسار بحثى متواصل وهادين فى تجديد الدرس البلاغى العربي الحديث خلال عقدين من الزمن.
■ ما الجديد الذى أتى به كتابك ،الطعام والكلام، حفريات بلاغية ثقافية فى التراث العربى، الفائز بالجائزة؟
يندرج هذا الكتاب ضمن تصور بلاغى جديد. هو -البلاغة الثقافية التي تسعى إلى دراسة انماط خطابية مختلفة، وفق رؤية تجمع بين الشكل اللغوى والبعد الثقافى، وعلى الأخص نمط الخطاب الميمل الذى لم يلتفت إليه النقد أو البلاغة، مثل خطاب الطعام الذى جعلته موضوعا للكتاب، منتبعا حضوره في حقول التراث العربي المتنوعة، وباحثا فيه (عمًا بعد الطعام) من دلالات ورموز تقلت المائدة العربية من نطاق الإشباع الجسدى إلى معمل الإشباع الاجتماعى والثقافى، المتشابك مع قضايا الهوية والطبقية والغيرية والجنوسة ..
ضمن هذا السياق العام، تناول الكتاب شائية الشام والكلاب، كما يصرح بذلك عنوانه، وهى ثنائية بالغة الأهمية فى تراثنا العربي، فإنها لم تحظ بالدراسة عند الباحثين العرب المحدثين، وهكذا. يست الكتاب فراغا فى هذا الجانب البحثي، مبينا أثر الطعام فى الكلام من خلال محاور عدة منها محور العنونة- إذ نلاحظ تسرّب مفردات الطعام إلى عناوين الكتب النقدية والبلاغية والتحوية والتاريخية والدينية، من أجل تشييد بلاقة تستميل المتلقين، نحو: (موائد الحيس فى فوائد أمرين القيس،، لنجم الدين الطوفى، ، التفاحة فى النحو) لأبي جعفر النحاس، وبالفاتيد فى حلاوة الأسانيد، لجلال الدين السيوطي، ومحور المصطلحات الذى تكلفت فيه العلاقة بين البلاغة والبلغة، أى الزاد القليل الذي يحمله المسافر معه مما يقشر سبب مرادقة البلاغة فى تراثنا العربي للإيجاز، فى نوع من المماثلة بين – الإيجاز الطعامى، والإيجاز الكلامي».
■ ما الصعوبات التى واجهتك فى البحث من خلال كتاب ، الطعام الكلام،؟
البحث الجاد أشبه برحلة استكشافية. وككل رحلة من هذا النوع لا بد أن تعترضها صعوبات معينة – فالصعوبات هي قدر البحوث الجادة فى أى مجال معرفي، وما على الباحث إلا أن يخوض العمار بصير وثبات.ومن الصعوبات التى اعترضت سيوي في كتاب الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية فى التراث العربي ، ندرة الدراسات العربية الحديثة، التي اهتمت بموضوع الطعام، وغيابها جملة فيما يخص تناول العلاقة بين الطعام والكلام، وهذا ما أوغمنى على حصر النظر في المدونة التراثية التى لم تكن هي الأخرى ميشرف لأن المادة الطعامية كانت متفرقة فى بطون الكتب، ومتناثرة فى مصادر الدين واللغة والنقد والبلاغة والأخبار والتاريخ والأمثال والشعر والنثر وتفسير الأحلام، غير أننى تغليت، فى الأخير، على هذه الصعوبات، من خلال اقتراح تسق بلسلم هذا الشئات، ويصوغ صورة متكاملة منسجمة ودالة.
■ ماذا أضاف لك وللنقد المغربى الفوز بجائزة الشيخ زايد؟
أن يُضاف أسمى المتواضع، إلى قائمة أسماء البقاء الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب، فيذا يعنى أن ما بذلته من جهد فى الترسيخ البلاغة الثقافية ، قد تم تقديره والتنويه به.
■ بعض النقاد يرى أن الرواية المغربية تأثرت أكثر بالسرد الغربى، هل ترى أن هذا التأثير واضح فى الرواية المغربية الحديثة؟
أعتقد أن هذا الحكم لا يحس الرواية المغربية وحدها، إنما يعمّ الرواية العربية كلها، على اعتبار أن فن الرواية إنجاز غربى بالأساس، وإن كانت له بعض التقاطعات مع موروثنا السردى. والرواية المغربية، هى الأخرى، لم تسلم من هذا التأثير منذ نشأتها إلى اليوم، مراوحة بين الاستفادة من الرواية الغربية التقليدية، تارة والتجريبية تارة أخرى لكن هذه الاستفادة لم تمنع الرواية المغربية من إبراز شخصيتها السردية وهويتها الرؤيوية. سواء من حيث الشكل الروائي، أو من حيث أسئلة الذات الروائية والجماعة الحاضنة لها، وهذا ما يجعل توصيف الرواية ب”المغربية” تمييزا فنيا أكثر منه جغرافيا.

■ هل ترى أن امتياز اللغة الفرنسية جعل المغاربة أقرب من غيرهم إلى المناهج النقدية الحديثة من البنبوية ونظرية التلقى؟
امتلاك أى لغة أجنبية الناقد، هو رافد ثرى نقدى التجرية النقدية، بلا شك، لأنه يدفعه إلى الاطلاع على المناهج النقدية فى أصولها ومواردها الأولى من غير «التشويش» للوسيط، ويظهر إلى أن تمكن الناقد القربى من اللغة الفرنسية، قد كان عاملا حاسما في رفد التجرية النقدية العربية الحديثة. بتصورات نقدية بالغة القيمة والتأثير، من خلال إفادته المباشرة من المنجز النقدى الأعلام النقد الكبار أمثال: سانت بوف وهيبوليت تين، وفيرديناند برونتيير، وجول لوميتو، وغاستون باشلار، وجون بيير ريشار، وموريس بلاغشو، ولوسيان جولدمان ورولان بارت، وجوليا كريستينا، وجيرار جنيت. وجاك دريدا.
غير أنه لا يجب خضر جهد الدارسين المقاربة. فى حدود ترجمة عدد من الأعمال النقدية المركزية. إنما كان لهم دور بارز فى العمل، إلى جانب زملائهم من دول عربية مختلفة، على توطين مجموعة من المناهج الاجتماعية والنفسية والبنيوية والسيميائية. والحجاجية فى الممارسة النقدية العربية على المستويين النظري والتطبيقي.
■ يرى البعض أن هناك ظاهرة لافتة للنظر فى المغرب وهى أن معظم الروائيين المغاربة جاؤوا إلى حقل الرواية من حقول إبداعية أخرى مثل الفلسفة والنقد والتاريخ، ما رأيك؟
الإبداع عموما، ليس حكراً على قلة معينة من الناس، بقدرما هو مجال متاح الجميع بشرط توافر الثوابت الإبداعية. من موهبة وكفاءة وإضافة، ويبدو لى أن وقد الرواية- بكتاب ينتمون إلى حقول الفلسفة والتاريخ والنقد هو عامل بشرى الكتابة الرواية ولا يضعفها، ما دامت الرواية هى خطاب يتفاعل مع الواقع والحياة تفاعل الفلسفة والتاريخ والنقد معيماء
■ هل يعانى النقد الأدبى فى العالم العربى من أزمة؟
على الرغم من أهمية ما أنجزه كثير من النشاء العرب المحدثين، طيلة عقود فى الارتقاء بالممارسة النقدية، فإن كل المتابعين للمشهد النقدى يسجلون أزمة أو أزمات تلمّ به، وأنا كذلك لا أخرج عن هذا الإجماع وأرى أن ثمة أزمة مركبة أود التركيز على مطهر واحد منها هو – التقديس المنهجى .. أو النهجوية .. كما يحلو البعضهم أن يسميها، والتى تعنى الإفراط في الانضباط لكل إجراءات المنهج العملية ومنظومته المفهومية، حتى تخرج الممارسة النقدية من نقد النص إلى مجود استعماله، حسب عبارة أمبرتو إيكو، فكون إزاء تطبيقات نقدية تستجلب الشواهد النصية للاحتجاج إلى المنهج المعتمد، بدل جعل النص في مركز الاهتمام واعتبار المنهج مجرد تابع وخادم له.
لقد أثر -التقديس المنهجي، تأثيرا سلبيا فى تنوق النص وإنتاج المعنى، حتى غابت حقيقة النقدى وتراجع دوره فى الكشف عن جماليات اللصوص. وتمييز جيدها من رديتها، وبناء على هذا الاعتبار. فالمطلوب من نتاد النقد وتقاد الأدب إعادة النقد إلى الجادة والطريق الصحيح، لأن كل خلل فيه يؤدى إلى خلل فى انتشار قراءة الأدب.
■ ما أهمية أن يكون لدى الكاتب مشروع يعمل على تحقيقه؟
الكتابة ضمن مشروع واضح المعالم والمقاصد. أمر يفيد الباحث أولاد من حيث برسم له طريقا معددا للاشتقال، يعمل دوماً على تقويته وتطويره ثم يقيد البحث العوفى ثانيا، من حيث يقلّم، مع من يشبهه، منجزا ناضجا وحيوياً ومتخصصما يثرى الحركة الثقافية العربية.




