تقديم الدكتور سعيد العوادي لكتاب البصمة الأسلوبية

تقديم الدكتور سعيد العوادي لكتاب البصمة الأسلوبية

 

من الطريف أن يطلّ علينا الباحث الجاد الدكتور عبد الرحمان إكيدر هذه المرة ببحث يسلط الضوء على قضية بالغة الأهمية هي “البصمة الأسلوبية”، متعقبا تحولاتها في النقد العربي القديم والخطابات الحديثة مثل الخطاب الجنائي وخطاب تحقيق النصوص وخطاب الذكاء الاصطناعي. وإذ يخوض د. عبد الرحمان في تشعبات “البصمة الأسلوبية”، فهو يقدم مباحث قيمة وجديدة في التناول البحثي الحديث، وقابلة لأن تكون كتبا مستقلة.

إن انتباه الباحث إلى قضية “البصمة الأسلوبية” في الخطابين التراثي والحديث يضع الأصبع على أحد أهم مقاصد الدراسة النقدية، وهو القدرة على تمييز مستويات الجيد في النصوص الفنية والوظيفية، مما يرتقي بالممارسة النقدية من مجرد تمييز الجيد من الرديء إلى التمييز داخل سُلَّمية الجيد، من خلال الوقوف على الخواص الفنية والسمات الدلالية التي تجعل من الجودة النصية مقامات ورتبا.

وإذا كان في مفهوم “البصمة” ما يدل على المعنى الجنائي، مما يفسر اهتمام الباحث بدراسة البصمة الأسلوبية في الخطاب الجنائي، فإنني أرى أن هذا المعنى ليس جديدا على النقد الأدبي، بقدر ما هو ضارب في أعماقه؛ ففي نقدنا القديم يتسرب المعنى الجنائي في كتب النقد، وبالضبط ضمن مبحث “السرقات الأدبية”، حيث يُفصح هذا المبحث عن بعد جنائي واضح يتصل بجريمة “السرقات” التي يتحوّل معها الناقد إلى شرطي يتعقب “لصوص النصوص”، مدافعا عن الأصالة وكاشفا عن الزيف والادعاء. بل يبدو لي أن حضور النقاد القضاة مثل القاضي الجرجاني للواسطة بين المتنبي وخصومه جانب آخر من جوانب “جنائية النقد” ووجه آخر من وجوه الكشف عن البصمة الأسلوبية لشاعر العربية الأكبر.

ولقد أبدع د. عبد الرحمان إكيدر عندما أدخل “البصمة الأسلوبية” إلى مجال تحقيق النصوص التراثية، مبرزا أن المحقق بما هو باحث يطلب الحقيقة في بحثه عن النص الأصلي أثناء مقابلته بين المخطوطات، إنما هو يتكئ إلى نَفَس المؤلِّف وبصمته التي تميزه. ويبدو أننا بحاجة ماسة إلى تطوير ما تقدم به الباحث في أفق إنشاء فرع علمي جديد يهتم بآليات البحث عن البصمة الأسلوبية للمخطوطات.

وكذلك فتح الباحث أفقا بحثيا معاصرا حين توقف عند البصمة الأسلوبية في المقارنة بين الإنتاج النصي البشري والإنتاج النصي للآلة، منتهيا إلى قدرة الذكاء البشري على الذكاء الاصطناعي في جوانب الإبداع والاتساق والتنويع والمرونة. ولعل تعميق البحث في مثل هذه المقارنة يضيف فهما أدق للذكاء البشري، لأن “بضدها تبين الأشياء”، كما يساعد خبراء البرمجيات في بذل مزيد من الجهد لإضافة مزية ذكاء إلى الذكاء الاصطناعي.

وفي ختام هذه الكلمة الموجزة، أهنئ الباحث على المجهود البحثي الطريف الذي قدمه لنا في هذا الكتاب المتميز، وأدعوه إلى الاستمرار في طرق باب مثل هذه الموضوعات التي تحفِّز على القراءة بفائدة ومتعة.

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top