الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

صناعة الجمهور وتحوّلاته

صناعة الجمهور وتحوّلاته

 

على الرغم من بدايات التحدث عن الجمهور، منذ أرسطو، لاسيّما حينما قسّم الدراما على مأساة وملهاة، وتقسيم جمهور كل نوع مسرحي على أمراء ونبلاء وعامة، غير أنَّ هذا الجمهور اختلف بعد ذلك إلى التأثير بشكل مباشر بالعمل الأدبي والفني، هذا التأثير الذي صار واضحاً مع الحكواتية وهم يروون القصص الشعبيَّة والسير الشعبية، إلى درجة أنَّ الكثير منهم اعترفوا بتغيير أحداث حكاياتهم ونهاياتها خوفاً من ردود فعل الجمهور حين يروونها في المقاهي والأماكن العامة.
وإذا كنَّا نتحدث عن الجمهور بوصفه كائناً حيّاً في القرون الوسطى، غير أنّه بدأ بالتغير حتى برزت مناهج نقدية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تتحدث عن التلقي وتأثيره بالعمل الأدبي نفسه، وصولاً إلى ياوس وآيزر اللذين نظّرا لمفاهيم التلقي وعدّه نظرية نقدية ما بعد بنيوية، يمكن من خلالها فهم النص الأدبي والفني عموماً.
ما حدث بعد ذلك، وما جرى في ثورات الربيع العربي، مكّن هذه النظريات من الرسوخ بشكل فاعل، فالجمهور نفسه لم يكن متلقياً، بل فاعل غيّر سياسات دول كاملة، الأمر نفسه ما حدث في ثورة تشرين العراقية التي هزّت أركان الدولة وغيّرت من شكل الحكومة العراقية.
هذا كله لأنَّ هناك نوعين من الجمهور، فاعلَيْن في الوقت نفسه، جمهور حي حقيقي من مواطنين مؤثرين، وجمهور إلكتروني كان أكثر تأثيراً، فاختلفت المفاهيم بشكل واضح منذ بداية مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح لدينا عالمان، الواقعي والإلكتروني.
ويمكننا أن نتساءل الآن: ما الذي غيرته التقنيات الجديدة في صفات الجمهور، وتأثيرهم في الثقافة والرأي العام؟
صراع الهوية
يرى المخرج التلفزيوني الدكتور صالح الصحن أنَّ مفردة الجمهور تستمد ثقلها اللغوي والمعرفي من “تجمهر”، أي تجمع واجتمع وأجمع على شيء، وبمرور النشاط الإنساني والمهني، أصبحت أكثر ثقلاً في المعنى الذي ينطوي على الجمع والكثرة، وحجم القيمة الدالة لها في التعبير والفعل والحركة، وبمستويات مختلفة تبعاً للبيئة والمجتمع والفضاء والحقل الذي تمارسه هذه الفئة من الجمهور أو غيرها، فالميدان يحدّد نوع الجمهور وطبيعة توجهه ونزعاته ورغباته وتطلعاته، وبالإمكان تحديد سمات الجمهور الرياضي من السياسي إلى الاجتماعي إلى العشائري إلى الطلابي وغيره، وإزاء ذلك تولد لدينا نوع يعنى باهتمام ومتابعته اليومية باستخدام وسائل التواصل الإلكتروني الذي لا أرغب بتوصيفه بـ”الاجتماعي”، ذلك الاهتمام الذي تمثل بالمزيد من الصفحات المتعددة الأشكال والأساليب المختلفة في التواصل والحوار والنشر والعرض الإلكتروني، بخيارات بعيدة عن الرقابة والأعراف السائدة في النشر، ولهذا نجد الاهتمام يشتد ويتعالى في موضوعات ساخنة كمتابعة أخبار الزعماء ورجالات السياسة والاقتصاد، وأخبار نجوم الفن والرياضة، وكواليس حياتهم وأسرارها، وما خفي عن السطح الإلكتروني، فضلاً عن الأحداث والوقائع والأفعال والسلوكيات التي تحصل بما هو أكثر صدمة أو مفاجأة، فضلاً عن الجرأة السائلة التي تعدت إلى خارج الحدود في نشر الغسيل والسكوت عنه في التراشق والتصادم الناجم عن تحريك أصحاب المصالح ورؤوس التحريك للتصدي إلى هذه الحالة أو ذلك الشخص في موضوعات عديدة بما في ذلك التسقيط والفضح أو التمجيد والمدح وخلق الزعامات الإلكترونية، ولهذا نجد أنَّ النشر الإلكتروني خلق لنا طبقات إلكترونية مختلفة قد تقف في صراع عنيف مع خصومها بسبب اختلاف التشجيع مثلاً لفريق رياضي دون الآخر أو حزب سياسي دون غيره أو أي اتجاه أو مؤسسة أو نشاط ثقافي أو مهني وغير ذلك.
من هنا وإزاء هذا التباين المختلف في أسلوب التعامل مع الأحداث والأفعال والمتغيرات، ينبغي إشاعة روح الوعي والتحضر والتفاعل الإنساني النبيل باتخاذ مبدأ احترام الرأي والرأي الآخر وإن اختلفت أشكال وأساليب التعبير بتعدد الانتماءات والرغبات، ولكن يبقى السجل الإلكتروني الواحد هو الصفحة الوطنية المثلى والأكثر نصوعاً التي يكتب فيها الجميع بمختلف الأقلام والأحاسيس والمشاعر والأفكار. لرسم صورة البلد بهوية خالدة جديرة بالفخر والانتماء..
قوة الجمهور
في حين يشير الباحث المصري الدكتور عماد عبد اللطيف إلى أنَّ نشأة الجمهور ارتبطت بعيش الإنسان في جماعات كبيرة؛ فالجمهور ابن الاجتماع والعمران. وبقدر تطور المجتمعات الإنسانية تطورت ظاهرة الجمهور. كانت الجماهير التقليدية في ما قبل ظهور وسائل التواصل العمومية محدودة بحدود الزمان والمكان والوسيط. فقد كان التواصل الحي محكوماً بالقدرات المحدودة للصوت البشري، التي تقيد اتساع الجمهور، فكان أكبر عدد للجماهير لا يتجاوز بضعة آلاف من البشر. والأمر نفسه في ما يتعلق بالتواصل الكتابي قبل ابتكار النشر الجماهيري. لكنَّ العالم تغير على نحو جذري بفضل ابتكار وسائط التواصل العمومية، لا سيما في العقود الأخيرة التي أجرت تغييراً جذرياً في مفاهيم الواقع والعالم، عن طريق تطوير العوالم الافتراضية، وهيمنتها.
مضيفاً: جمهور العالم الافتراضي محكوم بدوره بطبيعة الوسائط التي يمارس فيها هويته بوصفه جمهوراً. فهو من ناحية جمهور شديد التنوع، يفتقد إلى التجانس، بسبب إمكانية إتاحة رسالة ما لأي راغب في أن يكوّن جمهوراً لها. فحفلة خيرية تُقام في جنوب أفريقيا لدعم الشعب الفلسطيني، وتُبث على اليوتيوب أو تُبث مقاطع منها على تويتر مثلاً، يمكن لملايين الأشخاص من أرجاء العالم أن يكونوا “جمهورها”. كما أنَّ جمهور وسائط التواصل يتسم بإمكانيات لم تتح لسابقيه مثل التلقي غير المتزامن للحدث الخطابي، وإمكانيات إعادة الاستماع، والتقديم والتأخير والانتقاء. فضلاً عن إمكانية الاستجابة للخطابات التي يتلقاها، وإنتاج علامات لغوية وغير لغوية تعبر عن استحسانه أو استهجانه، دعمه أو رفضه للخطاب. وأخيراً، فإنَّ جمهور الفضاءات الافتراضية لديه قدرة غير مسبوقة على حجب الخطاب الأصلي، وإيقافه، بفضل قدرات الحظر والإبلاغ. مع ذلك، فإنَّ الوسائط الجديدة التي أتاحت هذه القوة للجمهور، تسعى خلال السنوات القليلة الماضية إلى سلبه إياها، عن طريق هندسة الفضاءات الافتراضية بطريقة تخدم سياسات الوسيط وانحيازاته، وتقوض حرية الجمهور في التعليق والاستجابة، وتصنع واقعاً جديداً كلية في تاريخنا المعاصر هو واقع استبداد الوسيط على المتكلمين والجمهور معاً.
المجتمع البديل
ويبين الدكتور صلاح حاوي؛ أستاذ البلاغة الجديدة في جامعة البصرة، أنَّه عندما كتب الناقد الأميركي هوار رينغولد كتابه (المجتمع الافتراضي/ (virtual community عام 1985 كان يرى أنَّ هناك مجتمعاً يتأثر ويؤثّر به، فهو مجتمعٌ كما يقول عنه رينغولد ويصف علاقته به: لا يمكن الوصول إليه إلا عبر شاشة جهاز الكمبيوتر الخاص بي، إذ بدت فكرة المجتمع الافتراضي باردة بالنسبة لي في البداية، لكنني تعلمت بسرعة أنَّ الناس يمكن أن يشعروا بشغف تجاه البريد الإلكتروني وعمليات التواصل الحاسوبية حتى أصبحت واحداً منهم، فإذا اختلفت صورة المجتمع الافتراضي وعملية تشكّله، فلا شك أنَّ أداته الجوهرية- أعني الجمهور- ستكون له صورة مختلفة، هي الصورة عبر الشاشة، الصورة التي لا تتحدّث بصوتها، بحجم فعلها الكتابي والأيقوني، لكنّها تمتلك القدرة على استهلاك الخطابات الافتراضية وتوزيعها. إذاً، تختلف صورة الجمهور الافتراضي، فهو ليس صورةً مستعارةً، بل يمكن أن يقدم نفسه موازياً للجمهور الفعلي، أو قد ينجز أفعالاً تجعل منه جمهوراً بديلاً له هويته وخطابه وعلاقاته الاجتماعية البديلة، لأنه ينتج أرضاً وروابط بديلة، فالجمهور الافتراضي يعمل على إعادة علاقته بالمتحدثين/ المتكلم سواء كان سلطة بمعنى (authority) أو ممن يمتلك السلطة (power) فهو يتمتع بستراتيجيات قادرة على هدم شكل المتكلم وحضوره عبر مقاومة تأثيره في الفضاء السبراني، أو إضفاء الشرعية على أفعاله وتبريرها، أي أنَّ التمتع بحضور فاعل في أرضه والفضاء المفترض الذي يمتلك مساحة حرّة من التصرّف فيه يمنحه القدرة على نقل مركزية التحكّم في الخطابات وإنتاج وظائف قد لا يستطيع المتكلم الفعلي/ الواقعي مواجهتها.
 أجيال متباينة
وبحسب الكاتب المسرحي علي عبد النبي الزيدي فقد ارتبطت الآداب والفنون كلها بالجمهور، ولا يمكن أن تتحقق الغاية منهما إلّا بوجوده وتأثيره، وقد تعددت التسميات بالتأكيد، فهناك تصنيفات نقدية تشير إلى (جمهور، متفرجين، مشاهدين، متلقين.. إلى آخره)، وأي واحد منهم ارتبط بفعل معين له علاقة بالنتاج الإبداعي فناً وأدباً، ومع هؤلاء كلّهم كانت هناك أمكنة معينة يحدث فيه فعل (التلقي)، وعادة ما تكون أمكنة مغلقة من مسارح وقاعات للفنون التشكيلية والموسيقية والسينمائية والمكتبات وسواها، وكانت هناك فئة صغيرة جداً يمكن لها التعبير عن النتاج الفني والأدبي من خلال الكتابة عنه في الصحافة التي لها شروطها ومقاساتها لا يمكن الخروج عنها بفعل الرقيب الفني والفكري، وبالتأكيد هم بالدرجة الأساس بعض الصحفيين والنقاد والأدباء لا غير، إلاّ أنَّ ثورة التقنيات الحديثة ومنها صيحات برامج التواصل الاجتماعي سريعة الانتشار، غيَّرت كل شيء تماماً وهدَّمت تقاليد الكتابة وإبداء الرأي بشكل كارثي، وبات الجميع يمكنه الكتابة في الموضوعات والتخصصات كلّها، ويمكنك ببساطة أن تبدي رأياً بالأدب والفن والطب والفيزياء والدين والفلسفة و… وهذا يجعلنا نؤكد أنَّ من يملك القدرة على الكتابة ومن لا يستطيع أن يكتب سطراً واحداً من دون أخطاء في القواعد والإملاء يمكنه أن يشير لنفسه بكونه العارف والأهم! وصار من السهل جداً أن تكتب رأياً وتهاجم بشكل فج أو تمتدح فعلاً  أو شخصاً ما وأنت جالس في بيتك وغرفة نومك! وهذا ينسحب بالتأكيد على رداءة المادة المكتوبة التي تفرض نفسها عليك وتصلك بشكل عاجل إلى جهاز موبايلك في جيب بنطالك، ولا يمكن إدراجها ضمن النقد العلمي الرصيد الذي هو الأهم بهذا السياق، فما يحدث الآن عملية مخيفة لا أعرف إلى أين ستأخذنا عاماً بعد عاماً، بعد أن قرأنا وسمعنا وشاهدنا سباباً ومحتويات هابطة لا أخلاقية وأخرى ساذجة تهيمن على تلك الوسائل وتصلك بسرعة البرق، ولكن بالمقابل هناك أسماء- على قلّتها- استطاعت أن توصل صوتها النقدي الرصيد عن طريق وسائل الاتصال الاجتماعي بشكل مميز، وبدأنا نتابع ما تكتب أو ما تحقق من إنجازات علمية وأدبية وفنية.. هذا الأمر خلق توازناً ما بين الرداءة والجودة إلى حدٍّ ما، وبالتأكيد لابدَّ من الإشارة إلى أنَّ هناك فرقاً شاسعاً ما بين جيل القراءة والتلقي في عقود زمنية ماضية، وهم الأكثر ثقافة ورصانة في المعرفة بفضل المناخ الأدبي والفني الذي عاشوا فيه، وتقاليد الكتابات النقدية التي كان المتابع يتأثر بها ويبدي رأياً متزناً بعدها، وبين جيل هاجمته التقنيات وجعلته يتخبط أمام مغرياتها، وغير قادر على اتخاذ موقف هادئ ومتزن إلاّ ما ندر.
جماهير العصر الرقمي
ويختتم الباحث المغربي الدكتور سعيد العوادي حديثنا موضحاً أنَّ الجماهير ظلت، طوال قرون عديدة، قابعة في الظل، مُنفعلة بما تتلقاه من خطابات آتية من تلك الفئة القليلة التي امتلكت سلطة الكلام والتأثير وحازت أدوات التواصل والتخاطب. وبدت هذه الجماهير كما لو أنها خرساء لا تقدر على إبداء رأيها أو التعبير عن أحاسيسها. لذا، كثيراً ما اضطلع الكُتّاب بمهمة التعبير بدلاً عنها، معتبرين الأدب لسان الشعب والجماعة والأمة.
ومع الثورة الرقمية التي عرفها العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تغيّرت أدوات التواصل، فانفسح الفضاء للجماهير لتنعم بكامل حريتها وتصدح بصوتها عالياً وتعرض صورها وأحداثها اليومية على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.
لقد استحوذت جيوش الجماهير على تلك المنصات، ولم يعد أي صوت يعلو فوق صوتها، فأصبحت لها إمبراطورية رقمية تكتب فيها بالعامية أو الرَّوْمَنة أو الأيقونات التي لم تكن موضع اعتراف في العصر الورقي. كما أنها اتخذت من الفضاء الرقمي وسيلة لمقاومة مختلف أشكال الهيمنة، مسخِّرة ضروباً من الآليات التخاطبية مثل السخرية والفضح والاعتراض.
وإن كان لهذا التحوّل الرقمي إيجابياته في نقل الجماهير من القاع إلى السطح لتكتب تاريخها المقموع، إلا أنه قد أسهم سلباً في تعميم ثقافة التفاهة التي تحتفي بتصوير الجسد في تنقلاته المختلفة في الفضاءات العامة والخاصة، وتشيّد رأياً عاماً يعلي من قيمة الابتذال والفضيحة ويتندّر على رصانة العقل ونبل الأحاسيس.

 

البصرة: صفاء ذياب

 

رابط المقال

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top