الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

حوار نقدي وتأويلي مع الدكتور محمد بازي

حوار نقدي وتأويلي

مع الدكتور محمد بازي

 

حوار نقدي وتأويلي مع محمد بازي منشور بالعدد 88 من المجلة اللبنانية كتابات معاصرة

حاوره: سعيد العوادي / هشام دركاوي

 

س 1: حصلتم على جائزة المغرب للكتاب وهي جائزة ذات قيمة عالية، فما هي المسؤوليات التي يلزمكم بها هذا التتويج؟

ج: أشكر الأستاذين الباحثين سعيد العوادي وهشام دركاوي على هذه المتابعة الدقيقة للمشهد النقدي المغربي، ولأعمالي الأولى في مجال التأويليات العربية. وأعتبر هذا الحوار تثمينا حقيقيا لمسار بحث نقدي في طور التشكل، وتعميقا لأسئلة جديدة أنا بصدد التأمل فيها، محاولا تطوير تصوراتي التأويلية من خلالها. وبالنسبة لهذا التتويج فإنني أعتبره اعترافا كبيرا باهتمامات الكاتب المغربي عامة، وبالبحوث الجادة والرصينة في المجال النقدي. حقا يشعر الكاتب المتَوَّج بصحة المسار الذي اتخذه في مجال التأليف، وبالتميز المنهجي والأسلوبي في التناول والمعالجة، وهو خيار حضر عندي بقوة في مرحلة إعداد كتاب ” التأويلية العربية “؛ فقد بذلت مجهودا استثنائيا كي يكون الكتاب عميقا في  مقترحاته، ومتميزا في لغته وأسلوبه، لعله يحمل بعض الجِدة في موضوعه، عبر دفع مرمى الاجتهاد إلى أبعد نقطة، دون التهاون في الجانب الصناعي والأسلوبي، مجددا إلى حد ما في التصورات والمقترحات التأويلية. وقد تحقق ذلك بحمد الله عبر جهد مضاعف أثناء الكتابة. وقد لقي القراء البلغاء الذين يحفلون به، آملا أن يفيد القارئ العربي في كل مكان ويمتعه. ولا شك أن هذا الاعتراف يضع في عنقي طوقا جديدا لخيارات أصعب، ومسؤوليات جسام أنا على تمام الوعي بها، وماض بعزم نحو تحقيق ما هو أعمق بتوفيق من الله.

س 2: ما هي المشاكل التي اعترضتكم وأنتم بصدد البحث في مفهوم التأويل أو التأويلية في تراث عربي غير متجانس وممتد الأطرف ؟

  ج: يواجه الباحث في التراث التأويلي العربي الإسلامي عالما زاخرا بالمواد الثمينة، والنصوص الثرية، والخطابات التأويلية الممتدة، وقد يصاب بالحيرة والاندهاش  وهو يواجه هذا الاختلاف وهذا التعدد في الرؤى والتصورات والمقترحات والاتجاهات، وقد يستسلم فيغادر غير ظافر بشيء، غير أن الصبر والتأني في التتبع والمقايسة والمراجعة ستجعله يكتشف أنه أمام ذخائر معرفية ثمينة جدا، وقد يطلب العون والمساعدة صارخا بأعلى صوته: إن هذا التراث التأويلي يستحق الاهتمام، ليس لدى الغربيين أحسن مما عندنا في الاهتمام بقضايا المعنى، لقد كانت الثقافة العربية الإسلامية في مجملها ثقافة المعنى، وبُنيت العلوم على المعنى، وكيفية إنتاج المعنى والوصول إليه؛ فالنحو والبلاغة وعلم اللغة، والمنطق وعلم الكلام  وغيرها تأسست داخل ثقافة تؤمن بأهمية المعنى إنتاجا وتلقيا. وانتفعت بذلك الشروح والتفاسير والمذاهب الفقهية وكتب البلاغة والمؤلفات الفكرية والأدبية. وهو ما يجعل قارئ الكتابات التراثية يخوض في بحر واحد اسمه بحر المعنى، أما تجليات هذا الحضور في التعلق بالمعنى فقد اتخذ أشكالا مختلفة وتفاعلتْ فيه اتجاهات سياسية وحزبية ودينية يضيق المجال هنا عن التفصيل فيها؛ ولذلك فالباحث اليوم  يمكنه الانطلاق من أفق معرفي شبيه بالذي يتأمل البحر من بعيد ويحاول أن يفهم ما يجري داخله، وهو محتاج إلى الغوص تبعا لذلك، ولابد له من دُربة ومِران، مع القدرة – في الوقت ذاته – على الثبات وعدم الانجراف مع التيارات، إذا كان غرضه هو التوصيف وتحليل الخطابات ومعرفة بلاغتها التأويلية، ويتطلب هذا الأدوات التحليلية اللازمة، عسى أن يخرج  بخلاصات في موضوع التأويلية. بعد الاستكشاف واستطلاع الأحوال وما يقتضيه ذلك من تمحيص، يمكنه بناء تصورات في موضوعه، عبر عرض النتائج وتقديم المقترحات. ولا شك أن كثيرا من الأبحاث تلتقي في هذا المنحى، وتتفق على كثير من النتائج، لكن _وفي الوقت ذاته_ دون تحقيق مشروع موحد في الموضوع، يكون له حضور لافت للانتباه، ويتحكم في تحريك الثقافة العربية تحريكا بَناءً وقويا، يكون له من القوة الاقتراحية بقدر ما في تراثنا من جواهر، ولآلئ،  وكنوز حقيقية تحتاج إلى استخراج وتحيين: (الخطابات التفسيرية، المذاهب الفقهية، علم الأصول، الفلسفات العربية، البلاغة، وكتب النحو واللغة، وكتب الأدب….)، خاصة إذا تمت من موقع عالم وقاصد وخبير.

س 3: هل يمكننا اعتبار الخطاب النقدي والبلاغي عند العرب خطابا تأويليا؟ وإذا كان الأمر كذلك ما هي الشروط الذاتية والموضوعية القمينة باتصاف هذا الخطاب بميسم التأويلية ؟

ج: سبقت الإشارة إلى أن جل الخطابات الواصفة مثل النقد والشروح وكتب البلاغيين يحكمها أساس واحد وهو المعنى، وكلما تعلق النظر بالمعنى، فقد تعلق بالقصد، والبحث عن المقصد أَوْلٌ وتأويل، أي إرجاع المعنى إلى أوله والمقصود به أولا وأخيرا. ولا شك أن هذا التبسيط لمفهوم التأويل يجعلنا نتفق على أرضية واحدة وهي البحث عن المعنى الأول المقصود من طرف المنتج والذي تؤكده دلائل الخطاب وقرائنه وسياقه. ولا شك أن النقد القديم مثل البلاغة القديمة كانا يبحثان عن النموذج الأرقى في تأدية المعنى الشعري أو الخطابي، والذين كتبوا في النقد أو البلاغة  تحكمت فيهم فكرة المستوى الأعلى في التعبير البليغ، ما يحسن وما لا يحسن، وقد حقق هذا للشعر ولكلام العرب مستوى عاليا من الأدبية، لأن المنافسة ظلت قائمة بين الشعراء والخطباء على تحقيق البلاغة القولية والإجادة الفنية، وهو ما أسهم في تبلور تصورات هامة في جوهر نظرية الأدب  (كيف يكون الأدب؟) وفي جوهر نظرية النقد (كيف يكون النقد؟) أو ماهية النقد، وفي جوهر نظرية التأويل: كيف يجب أن يكون التأويل؟

  إن التأويلية باعتبارها نظرية في الفهم وبناء المعنى، ثم الإفهام وإبلاغ الفُهوم، تتأسس في شق منها داخل الثقافة العربية الإسلامية على البحث البلاغي، وإذا عدنا إلى أي كتاب للبلاغة العربية قديما، وجدنا البلاغيين يؤسسون تصوراتهم على المعنى، وعلى فهمهم لمعاني القول الشعري والنثري، وفي الوقت الذي يعملون على وضع مبادئ القول البليغ ويتوجهون به لمنتجي القول  المفترضين، فهم ينطلقون من النماذج المعتبرة ناجحة في ملمح فني أو تعبيري. ومن ثمة تأسست اصطلاحات البلاغيين انطلاقا من الظواهر الملحوظ تكراراها والمميزة للخطاب، فعمدوا إلى تحليلها ووصفها، وتبيان سماتها وتفريعاتها وتقديم الأمثلة لكل ظاهرة وكل تفريع. ولذلك لم تكن أبحاثهم متعالية عن المعنى، إذا لا معنى للشكل التعبيري بدون معنى. وكلما حصل بحث في المعنى إلا وهو أوْل به إلى أصله الأول؛ ومعنى هذا أن البلاغيين كانوا يؤسسون جانبا هاما من نظرية التأويل العربية في بحثهم عن أشكال المعنى البليغة، ثم في مستوى ثان في تقديم أدوات الخطاب التحليلي والواصف للشُّراح والمفسرين ونقاد الأدب، ولذلك وجدنا للبلاغة حضورا بنيويا هائلا في تفاسير القدامى كالزمخشري والقرطبي وابن كثير والطبري والمحدثين كالقاسمي والطاهر بن عاشور وغيرهم، أي البلاغة باعتبارها علما يضم أدوات لبلوغ المعنى الموجود في نص مكتمل، لا البلاغة التي هي موجهة في شق منها إلى الأدباء والمتأدبين والكُتَّاب لتحسين الأسلوب والعلم بكيفيات التعبير. كانت كتب البلاغيين ذات خطاب مزدوج: خطاب موجَّه للكتاب والشعراء وفيه تنبيه وتوجيه لما ينبغي أن يجري عليه القول البليغ. وخطاب مُوجَّه إلى النقاد والمفسرين في أهمية العلم بأدوات القول وكيفياته لتحليل الخطاب وبلوغ المعنى.  وما كان ذلك ليحصل لولا أن البلاغيين والنقاد مارسوا عملية الفهم وبناء المعنى وتحرير المعنى، وكل أشكال التعامل مع المعنى التي اقتضتها صناعتهم، وذلك الكل في غاياته ومقاصده وأهدافه يؤسس جانبا هاما من نظرية المعنى العربية القديمة، وهو يتضمن مقترحات تأويلية هامة تتطلب تطويرها وتحيينها وتطعميها بما جد في علوم اللسان والإنسان الحديثة.  

  وقد اجتمع في كتاب”الصناعتين” للعسكري – على سبيل التمثيل – التنظير البلاغي والنقد الشعري وخطاب الموازنات، وأدبيات الاستدلال، والتنظير لصناعة الشعر والنثر، وتأويل الشعر وشرح المعاني؛ وقد ظل- كما يبين عنوانه”الصناعتين”-  وَفِيًّا لمنطلقاته وأهدافه الكامنة في توجيه الكُتاب والشعراء إلى ما ينبغي التزامه في صناعة القول عبر تحديد ما يحتاجه الكاتب والشاعر في صناعة الكلام، وعبر اختيار الأمثلة الشعرية والنثرية الفائقة الصياغة قصد احتذائها، بحيث إذا تدبرها صانع الكلام استغنى بها عن غيرها، والتنبيه على الأخطاء والعيوب ومراعاة الأحوال والمقامات، بغية الرقي بهذه الصناعة، وهو ما يشكل نظرية قائمة المعالم للكتابة الشعرية والنثرية (الرسائل والخطب..) قديما، وما يتعلق بها من حسن التأليف ووضوح المعنى.

         س4: من الملاحظ أن البلاغة العربية القديمة اهتمت كثيرا بالتأويل، وإن لم تتوقف نظريا عند هذا المصطلح، لكنها من الناحية الإجرائية كانت في قلب العملية التأويلية، وهذا ما نلحظه في القراءات المتباينة للبلاغيين بخصوص كثير من الآيات القرآنية والأبيات الشعرية، إذاً ما هي الإستراتيجية التأويلية التي اتبعها البلاغي العربي من وجهة نظركم؟

         ج: هذه الملاحظة في غاية الدقة، وهذا الأمر حاصل في تخصصات أخرى غير البلاغة، وفي كثير من الخطابات، فقد كان الفهم والمعنى والتأويل حاضرا بشكل إجرائي عند البلاغيين، مثلما هو الحال عند النحويين، واللغويين، والفلاسفة والأصوليين والمفسرين…، كل يتحرك بالمعنى ويحركه المعنى، ويعتمد على المعنى لتحقيق غاياته المعرفية أو العلمية أو المذهبية، فكان التأويل خطابا خفيا يعتمد عدة إجراءات، وله تجليات وأنساق كثيرة في الاشتغال، وثوابت ومتغيرات، غير أنه كان وسيلة لا غاية في حد ذاته، بخلاف خطاب التفاسير مثلا الذي ظل فيه الفهم والتفسير والمعنى غاية في حد ذاتها لا وسيلة، وتحولت الغايات في علوم أخرى  إلى وسائل (النحو بشكل تخصصي، والبلاغة لتأسيس علم القول، والصرف لأجل الصرف، واللغة للحفاظ على اللغة…)، وإن كان القصد _ أحيانا_ من طرف بعض المؤسسين فهم الخطاب القرآني، غير أن البلاغة  تأسست ـ في مراحل  نضجها ـ لتكون علما في حد ذاتها أولا، ثم لإسداء النفع لغيرها من العلوم، ولم يكن التأليف في هذه العلوم إلا لأجل المنفعة حيثما حصلت، ولمن تقَصَّدها. غير أن معالم الأخذ والعطاء تظهر لمتأمل الكتب القديمة، وبالأخص أن الكُتَّاب قديما كانوا يجمعون ويحفظون كل العلوم المتأتية لهم وقتئذ (حفظ القرآن، والحديث، والمعرفة بالفقه، حفظ الشعر، والإلمام بالبلاغة، والنحو والصرف، والأخبار، والأمثال ….) وهو ما كان له انعكاس واضح في مؤلفاتهم، ومن بينها مؤلفات البلاغيين بحيث نجد فيها تداخل هذه الأنساق المعرفية لضبط كيفيات حصول بلاغة القول والقائلين، وتصنيف أساليب القول البليغ مع التمثيل لها، وفي خضم ذلك يتم التحليل اللغوي والتفهم بغرض التفهيم، والتبيُّن بغرض التبيين، ومن ثمة التأوُّل بهدف التأويل. ومثل هذه الملاحظات تدفع إلى تحليل خطابات البلاغيين لمعرفة المستويات التأويلية والمعرفية التي تكمن تحت الخطاب الذي موضوعه البلاغة. وفيما يتعلق بالتأويل في كتب البلاغيين فهو حاضر بقوة من خلال الاهتمام بالشرح اللغوي، وتبيان أوجه الدلالة في الآيات القرآنية أو الأحاديث أو الأبيات الشعرية…، ولا بد أن يحضر تبعا لذلك الفهم والمعنى والاستدلال بالأمثلة والشواهد، وهو ما يجعل كتابات البلاغيين أرضية خصبة لتحديد معالم التأويلية العربية كما عرفت امتداداتها الحقيقية في خطاب التفاسير والشروح والنقد الأدبي وغيرها.

    لقد أصبح واضحا اليوم في حقل الدراسات البلاغية ونظريات القراءة وعلم النص، أن البلاغة بدأت تستعيد حضورها، إذ أدرك الباحثون في حقل نظريات الأدب والشعريات الحديثة أنهم يتحركون في حقل قديم اسمه البلاغة، وأن فروع العلم التي يعملون داخلها يضمها علم البلاغة الذي كان ملتقى علوم مختلفة: علم النص وعلم الخطاب، وعلم الحجاج، والنحو، ونظريات التواصل، وتداوليات الخطاب. ولم يكن البلاغيون العرب يخوضون في هذه التفاصيل؛ لأن العلوم لم تنتظم بعد داخل فروع وأطر وأنساق قائمة، مثلما نشهد اليوم في حقل الدراسات الأدبية والنقدية واللسانية وغيرها، وإنما كانت غايتهم التأسيس لما يحقق بلاغة المنتج، أو بلاغة النص، أو بلاغة الخطاب، وقد كانوا بذلك يؤسسون لعلم التواصل، وما يرتبط بتداولية النص، بل تضمنت كتاباتهم إشارات هامة لبلاغة التأويل، وتتحقق داخل المباحث البلاغية العربية القديمة أصول نظريات متباينة للأدب والنقد، تحتاج إلى قراءتها على ضوء التطورات التي عرفتها المناهج النقدية الحديثة، ونظريات الأدب.

    إن التفكير في الأدب، والحِجاج، والتأويل تم عند العرب من خلال الاهتمام بالمناحي الجمالية والبلاغية للقول ووظائفه، غير أن التصورات البلاغية المتفرقة في كتب البلاغة، ونقد الشعر، وتاريخ الأدب العربي القديم، تظل تتضمن ما يسمح بتأسيس نظريات قوية، واستخلاص مبادئ أنساق جديدة  انطلاقا منها للتعامل مع الظواهر النصية والتواصلية، وأنماط الخطاب بعد توسيعها وتطعيمها، وإحداث الاتساق المطلوب بين عناصرها.

س5: عندما يقرأ عملَكم باحث لم تنضج آلياته القرائية بعد، يجد صعوبة في إدراك بعض المصطلحات والمفاهيم الموظفة رغم وجود مسرد للمصطلحات، ولكن برغم ذلك تبقى بعض المصطلحات معتاصة في حاجة إلى ضبط وتدقيق من قبيل: التساند، التقابل، بلاغة التأويل. فهل يمكنكم إعادة تعريف هذه المصطلحات بطريقة ميسرة ؟

ج: لا حرج في إعادة تعريف هذه المفاهيم لقارئ هذا الحوار وللمهتمين ببلاغة التأويل. فأما التساند فهو التفاعل والتشارك في مد يد العون والمساندة بين فاعلين على الحقيقة، ثم وسعنا فيه مجازا ليصبح التساند بين الآليات البانية للمعنى  (اللغة، النحو، الصرف، البلاغة، الشواهد، الموازيات الخبرية والسياقية وغيرها…)، والسند في اللغة ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح.وساندْتُ الرَّجلَ مسانَدَةً إذا عاضَدْتُهُ وكاتَفْتُه. ونقول خرج فلان وفلان مُتسانِدَين أَي مُتعاوِنَين، كأَنَّ كل واحد منهما يُسْنِدُ على الآخر ويستعين به. تحمل هذه الإشارات اللغوية معنى المقابل، فالسند ما يقابل، والتساند: التعاون والتعاضد، والتساند في مقترحنا يمتح من هذه المعاني : التقابل والتعاون والتعاضد بين العناصر المعتمَدة في بناء المعنى، ونقصد به تبادل العون والمساندة في عملية بلوغ المعنى بين المستويات في الفهم؛ فاللغة مثلا تسند التخريج النحوي أو البلاغي، والاشتقاق يسند اللغة والنحو، والنصوص الموازية تسند الدلالة، والمثل يدعم المعنى….إنه تساند يتأسس لحظة الاشتغال بالتأويل بين الدوائر النصية والدوائر السياقية. وهو تساند يشترط فيه تحقق الملاءمة والانسجام.

أما التقابل فالأصل فيه المُثول والمواجهة بين شيئين، وأصله في الأجرام؛ يقال قابل الشخصُ الشخصَ والجبلُ الجبلَ. ثم حصل فيه اتساع، فاستعمل في المعاني، عبر وضع الكلمة مقابل الكلمة والمعنى مقابل المعنى.

يقوم التقابل على التَّواجه (أي وجها لوجه)؛ تقابلَ القومُ: استقبل بعضُهم بعضا، والمقابلة المواجهة، والتقابل مثله، وهو قُبالَك وقُبالتك أي اتجاهك. على “سُرُر متقابلين” أي وجها لوجه لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض. وأما معناه ضمن المقاربة التأويلية فهو التواجه الحاصل أو المُحْدث بين  بنيتين أو أكثر (داخل النص وخارجه)، بأي شكل من أشكال التقابل الممكنة إنتاجا أو تأويلا.

   نورِد على سبيل العرض المفاهيم الإجرائية الفرعية المؤسِّسة لتأويلية التقابل، وهي كثيرة منها:    سيمياء التقابل، كيمياء التأويل، بلاغة التقابل النصي، بلاغة التأويل التقابلي، البناء التقابلي الظاهر والخفي، تقابل العوالم المادية والمعنوية، التقابل المتناسق للمعاني، الأبعاد التقابلية، التقابل الكوني، تأويلية تقابلية بليغة، التقابلات الجُملية والنصية والخطابية، الأنساق التقابلية الضمنية والظاهرة، التقابلات الكبرى، المقاربة بالتأويل التقابلي، منهجية تأويلية تقابلية، النسق التقابلي الضمني والظاهر، تقابل التراتب، تقابل التتابع، تقابل التعالق، تقابل التناقض، تقابل التخالف، تقابل الذوات، تقابل الأزمنة، التقابل بالمقارنة، التقابل بالسببية، التقابل بالتضاد، التقابل بالترادف، التقابل بالاختلاف، التقابل الظاهر والخفي، تقابل الحضور والغياب، تقابل الكم والكيف، التقابل بالتفاعل، التقابل الصوري، التقابل الخطابي، التقابل النصي، التقابل السياقي، تقابل الأفضية (الأمكنة والأزمنة)، التقابل العلاقي، التقابل الإضافي (إضافة الشيء إلى غيره: شخص أو مكان، أو زمان، أو شيء آخر)، التقابل التفاضلي: (أحسن، أفضل، أكثر، أجمل..)، التقابل الخفي في البنيات الاستعارية والمجازية، بلاغة الفهم، بلاغة التفهيم؛ بلاغة التأويل، البناء التقابلي، التقابل المستحضَر، التركيب التقابلي، التقابل المقصدي، آليات تقابلية، التقابلات النصية، التقابلات الوجودية، الحذف المقابلي، التقابلات المساقية، تركيم تقابلي، المقابل المجازي، التقابل الاستعاري، التقابل الإحالي، التقابل النووي، التقابلات الجزئية والتركيبية (النسقية)، التقابل المستهدَف والتقابل المنطلق، التقابلات الأفقية والعمودية، التقابل التناصي، التموضع التقابلي (الموضع المقابل)، المقابلات الغائبة،التقابلات النظمية، التقابل التخاطبي، التقابلات المؤَطِّرة والتقابلات المُؤَطَّرة، التقابلات الصغرى، والتقابلات الكبرى…وغيرها.

   ويمكن أن  نقسمها إلى مفاهيم نظرية مرجعية مؤسِّسة للتصور المقترح، ومفاهيم عملية أو آلية (خادمة) يتم العمل بها. وبين القسمين تقابل إفادة واستفادة، فالنظريات تتقوى وتتعزز انطلاقا من العمليات، والتقابلات الآلية أو الخادمة تستند إلى إطار التقابلات المرجعية، فتعمل في ظلها مطمئنة، مُؤَطَّرة ومحمية.

إن غزارة مفاهيم تأويلية التقابل دليل على قدرة المفهوم الأصلي المُولِّد على التشعب إلى مفاهيم إجرائية، هذا التشعب مؤشر قوي على أن إجراءات تأويلية التقابل تستطيع النفاذ إلى تفاصيل الظاهرة النصية والخطابية، وعلى التموضع المنهجي المناسب، والمتلائم مع خاصياتها، ومميزاتها.

أما بلاغة التأويل فعمادها التأويل البليغ – لا البلاغة المعتمدة في التأويل دون غيره كما قد ينصرف إلى ذلك الوهم –  فترتبط في شق منها ببلاغة الفهم ثم بلاغة الإقناع، ومعلوم أن بلاغة الفهم لا تتحقق إلا باعتماد العلوم الآلية الموصلة إلى ذلك : كفاية الافتراض، وكفاية البحث اللغوي، وكفاية فهم الأساليب البلاغية ويُعتمد في ذلك على علمين بارزين في البلاغة، وهما البيان والمعاني، ثم كفاية التخريج النحوي، وعدته علم النحو، ثم علم الصرف والاشتقاق… غير أن الاعتماد على هذه العلوم لا يكفي إذا لم تسنده الكفايات النصية، وامتلاك القارئ المؤوِّل لذائقة أدبية وتَبَحُّر في أساليب العرب، ووجوه استعمالهم للأساليب البلاغية، لأن العلم بالنظريات لا يكفي لحصول الفهم وبناء المعنى، وإنما لا بد من الخبرة بالنصوص وبأنماط تشكل المعنى، والإحالات الظاهرة والخفية التي يوحي بها النص، وتجد امتداداتها في نسيج واسع من البُنى الثقافية التي  يُعتبر النص موضوع القراءة تجليا من تجلياتها.

س6: وأنتم تخوضون في قضايا التأويلية العربية لا شك أنكم لاحظتم وجود بعض المباحث العلمية والمعرفية المرتبطة بالتأويل، والتي تشكل أنوية لبحوث جامعية جادة تعفي الجامعة المغربية كثيرا من المواضيع المستهلكة، هل بإمكانكم الإشارة إلى بعض هذه المباحث ليستفيد منها الطالب والباحث ؟

ج: لاحظنا في الآونة الأخيرة بروز اتجاه نقدي نحو تعميق البحث في الخطابات والمدونات التراثية من منطلقات حديثة، وأعتقد كل الاعتقاد أن تراثنا زاخر بجميع مناحي البحث اللغوي والأدبي والنقدي الحديثة سواء في الأسس النظرية التي نجدها متكاملة حينا، متفرقة في أحايين أخرى. أو في الأمثلة والظواهر النصية والخطابية التي تعكس مختلف مناحي الحياة الذهنية والثقافية والمعرفية والتواصلية التي أصبح الغربيون يتناولونها في إطار اللسانيات النصية أو التداوليات، أو علم النص، أو نظريات القراءة أو التأويليات الحديثة أو المناهج النقدية. وقد قامت أهم منجزاتهم الحديثة على تراثهم الأدبي واللغوي والتأويلي، وربما لو تمكن أعلام النظريات الحديثة في اللغة والنقد والتأويل من الاطلاع على التراث العربي، لتأسست تصورات ونظريات أخرى  أعمق من التي  يحفل بها الأدب والنقد الغربي اليوم، ولذلك حصل عندنا انبهار بما أنجزوه، لعَجْزِنا عن ابتكار الأداة المناسبة في العلم باللغة والأدب، واصطناع مفاتيح العلوم، وعدم القدرة على تطوير العلوم التراثية والاحتفاء بها، فحصل توقف لحضور التراث في الأدب والنقد، بل حصل في وقت من الأوقات شبه إحساس بأن العائد إلى التراث يشكل نشازا  في وجه ثقافة تمضي إلى الأمام، وتخترق المجهول في البحث عن القيم والأدوات. غير أن لحظة الانبهار المرتبطة بسياق تحولات حضارية كبرى سرعان ما ذابت وتلاشت؛ إذ اكتشف الذين يركبون الموجات التحديثية الغربية أن منتهى ما توصلوا إليه يوجد في التراث، ويحتاج فقط إلى جهود تحيينية، وإلى إعادة صياغة، وإلى استحضار، أو نفض الغبار، فتم التأكد أن الثقافة العربية الإسلامية القديمة كانت تؤسس بعدا كونيا إنسانيا وعلميا واسع الحضور، سخيا في عطائه، قويا في أطروحاته، ويمكن أن نقدم مثالا واحدا فيما نحن بصدده وهو ما ورد علينا من نظريات التأويل الغربية، وما يرتبط بالمعنى والقصدية، وضوابط التأويل، حيث ذهب بنا الوهم أن الغرب عنده فصل المقال في هذا، غير أن الباحث في تراثنا التأويلي والفقهي والنقدي والتفسيري سيجد علما غزيرا في الموضوع، كما ينتفع بمرجعيات قوية وبنظريات قائمة بُخِست حقها بسبب إهمال حضاري وثقافي، وبسبب انحباس الرؤية وتضخم الوهم في أن الثقافة الغربية هي نهاية الكمال في النظريات.

قدمت نظريات التأويل العربية القديمة مادة قوية في بلاغة التأويل وأحيطت بكثير من الضوابط والمعايير، وقد كانت معايير هذه البلاغة أشد دقة وأرفع بناء لدى الفقهاء والأصوليين والمفسرين وعلماء القرآن، نظرا للاعتبارات الدينية والعقدية المرتبطة بالنص التشريعي الأول في حياة المسلمين، ثم استكملت عناصرها من خلال العلوم الناشئة لدى العرب من لغويات ونحو وصرف وبلاغة وغيرها، ولذلك يسمح الاشتغال على التفاسير وهي الوجه التطبيقي لمناهج التأويل والفهم بالوقوف على الآليات العاملة في هذا الخطاب، ثم تحليلها من أجل تحيينها والعمل بها كما حَيَّنت سائر الثقافات تراثها التأويلي والنقدي. ويأتي في المقام الثاني الدراسات البلاغية والشروح الشعرية والموازنات؛ فقد حفلت بآليات قرائية عميقة قد يغلب عليها النسق اللغوي أو البلاغي، أو النحوي أو الدلالي، لكنها أسهمت بمادة رفيعة لازالت ثرية بالأدوات التأويلية، وتحتاج بدورها إلى تحيين وإعادة قراءة ناضجة ومخصبة. لكن الاشتغالين معا كان يسعيان إلى بناء ما به يكون التأويل بالغا ومبلغا وبليغا، كانت جهود القدامى تصبو إلى تحقيق الكمال في أدوات الفهم والإفهام، وانتفعت العلوم الشرعية بالعلوم الآلية، والعلوم الآلية بمناهج وموجهات العلوم الدينية، غير أن هذه التأويلية كانت تبني المهارات والكفايات العملية عبر التجريب والممارسة، ولم تكن – وبالأخص فيما المجال الأدبي – تبني الأنساق الكبرى الناظمة. لدينا تراث خصب وثري يستدعي الاحتفاء به والتنقيب فيه، وبالخصوص عندما تم تحقيق أمهات الكتب وأُخرجت في صورة قريبة من أصلها، وهو مجهود كبير قام به الباحثون العرب في الخمسين سنة الأخيرة، مُقَدمين خدمة عظيمة لهذا التراث وللأجيال المقبلة، من هذه التحقيقات ما تم بشكل أكاديمي رسمي داخل الجامعات على شكل أطاريح وبحوث جامعية، ومنها ما تم بشكل مستقل وفردي، وهو ما يدل على أن هذا المجهود الجماعي استطاع أن يعطي لهذه المؤلفات صبغة المعرفة العالمة التي يمكن الاعتماد عليها والاستفادة منها.

كان الاعتقاد ساريا إلى وقت قريب – ولازال – أن الدرس الأدبي والنقدي العربي يجب أن يساير التطورات الحاصلة في الأدب والنقد الغربيين، ولا اعتراض على هذا، غير أن الباحثين العرب اليوم أصبحوا يحملون عبئا أثقل مما مضى؛ لأن عليهم الاطلاع على الثقافتين العربية والغربية معا، وهو أمر يشقى به المرء بل العصبة أولي القوة، إلا أن تضافر الجهود والمساهمات التي يقدمها الباحثون كل في مجال تخصصه قَرَّب الشُّقة، وجعل إمكانية تكوين رؤية شمولية ممكنا. هذه الرؤية الشمولية العميقة والواسعة – التي لا تتحقق إلا بعد مراجعات كثيرة وموازنات عريضة ومناقشات سديدة – هي الكفيلة بإحداث التوازنات الجديدة وإعادة الاعتبار للتراث الثقافي والنقدي والتأويلي العربي، انطلاقا من هم معرفي يحفل بالذات العربية وبالفكر العربي، بحيث يضع كل فكر في حجمه الطبيعي، وفي مبلغ علوه وشموخه قياسا لبقية الأفكار والتصورات، بحيث نستطيع تشكيل خريطة تطور كل علم من العلوم  العربية، وتحديد القطائع المعرفية الحاصلة فيه، ومقارنة ذلك مع خريطة العلم المشابه له في الثقافة الغربية، من منظور معرفي خال من التعصب الأعمى ومن التبعية المطلقة. ومثل هذا العمل الأكاديمي يجب أن تقوم به الجامعات في إطار مشروع موسع يُنجزه أساتذة باحثون وخلايا بحث نشيطة تنطلق من تصورات شمولية، تُعطى لها الأهمية الكافية في كل تخصص على حِدَة، وتُرصد لها الاعتمادات المالية الكافية لإنجاز الخرائط الشارحة لهذه التطورات المعرفية  الحاصلة في الثقافة العربية. من هذه المحاولات الجريئة ما أُنجز بشكل فردي. لكن بعد حصول هذه التراكمات المعرفية، وإنجاز ما يكفي من الترجمات للأعمال الأدبية والتاريخية والفلسفية الغربية، لا بد من إحداث مشروع  نقدي ومعرفي موسع تكون له هذه الرؤية الشمولية، يرسم الخرائط الكبرى لتاريخ العلوم تحت إشراف متخصصين، بحيث يقدم للقارئ العربي صورة مركبة عن المنجزات، وحدود التفاعلات الحاصلة بين الفكر العربي والفكر الغربي، ومناطق القصور التي تحتاج إلى إغناء وتطعيم، وهو مشروع كبير وضخم وطموح سيستفيد من البحوث الأكاديمية المنجزة المنشورة وغير المنشورة، ومن الأعمال المترجمة، والكتابات الأجنبية في لغاتها الأصل.

يتطلب هذا المشروع الثقافي الضخم _ ويستهدف الطالب الباحث، وهيئات  الإشراف على البحوث والجامعات ومسالك البحث العلمي – مايلي:

_ نخبا من المتخصصين في الجامعات العربية وما أكثرها في العالم العربي، يعمل  تحت إشرافهم طلبة الإجازة والدراسات العليا المعمقة، على أن تكون الإجازة مدخلا لمعرفة المرجعيات والمصادر وتحديد التصورات الأولى لمشاريع ممتدة.

_ تصورا واضحا عن هذا المشروع الذي يحمل بُعدا معرفيا نقديا، يقارن ويلخص وينظم ويقترح.

_ جهة وصية ذات إمكانيات كبيرة تتبنى المشروع التراثي الإحيائي، ترى فيه دفاعا عن الهوية العربية وتخليدا لمنجزات القدامى، من أجل إطلاع أجيال اليوم والغد عليه.

_حيزا زمنيا كافيا ومراجعات نقدية كافية.

_فكرا إحيائيا جديدا وتحديثيا يروم تحريك الأذهان القارئة في اتجاه التراث، وفي اتجاه المنجزات الحداثية الغربية والعربية على السواء .

 _ نزوعا تطويريا في الشق الأخير منه بعد الوصف والعرض والمقارنة، يستشرف المستقبل ويبرهن على قدرة العقل العربي اليوم على تطوير وإغناء البعد الحضاري والفكر الإنساني.

_مشروعا منتظما يستغل كل الإمكانيات التقنية والمعرفية والمكتبية الحالية، في البحث والتواصل والتحرير والنشر.

ولذلك يجب أن لا ينساق الباحثون العرب المهتمون بالتأويليات الحديثة – التي نحن بصدد الاهتمام بها والاقتراح بشأنها – كليا مع التوجهات الغربية، لأنها تنطلق من خلفيات ظاهراتية وفلسفية ومنهجية مختلفة، وهم لا يعرفون العمق التراثي الغني الحاصل في ثقافتنا الإسلامية ولا كيفية اشتغاله، رغم وجود دراسات استشراقية قليلة. لدينا تراث تفسيري ولغوي وفلسفي وفقهي وبلاغي وأدبي نقدي غني وخصب، ويستدعي اقتحامه أدوات ومناهج وكفايات ومشاريع مؤسسية واضحة لقراءته، تسعى إلى بناء تصورات مفيدة في الموضوع، وتقديم بدائل قوية في نظريات التأويل والأدب نظرا لخصوصية  التأويلية العربية الإسلامية، وتنوع تياراتها، وروافدها، وتعدد منجزاتها. ونحن نعرف أن هذا المنحى قد انشغل به الكثير من الباحثين بشكل فردي ووضعوا لبنات هامة، ولكن أثرها في المعرفة والفكر العربي لازال محدودا، ولذلك لابد من استحضارها وإغنائها بقوة اقتراحية ومنهجية، حتى تحقق نتائج  علمية يكون لها تأثير في المجتمع والتاريخ والفكر الكوني. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

س7: هل من خلال الحديث عن تأويلية عربية ذات منحى تساندي  (تتساند فيها مختلف العلوم: البلاغة، النحو، النقد، الصرف..) يمكننا الخلوص إلى أن هذه العلوم تتضافر فيما بينها بنسب محددة ومضبوطة في القبض على توثب المعنى، أم أن هناك طغيانا لعلم معين على آخر في تأويلية التساند، ثم هل هذا التساند مشروط بتكامل كل هذه العلوم دون تخلي أي علم، أم أن أي تخل هو إخلال بشرط التساند العالِم ؟ ثم هل يمكننا الحديث، في إطار تأويلية عربية ذات منحى تساندي، عن تأويلات كثيرة بإمكان كل منها الاشتغال في تفرد ومن تم تحقيق نفس الغاية التي يمكن تحقيقها في التساند ؟

ج: إن تأويلية التساند لا تعني طغيان عنصر من عناصر التحليل والفهم على آخر، كما لا تعني ضرورة حضور هذه الآليات دفعة واحدة عند تناول أي بنية جملية في النص مثلا؛ ذلك أن استحضارها للعمل وتفعيلها يخضع لعقل مدبر هو القارئ البليغ الذي يشرف على عملية الفهم والتفهيم عبر تقليب وجوه المعنى في النص، مستدعيا لذلك ما تسعفه به مهاراته القرائية والتأويلية، وقراءته مفتوحة على كل المرجعيات التي يثيرها النص: لغوية أو صرفية أو بلاغية أو اجتماعية أو نفسية أو تاريخية ….شرط أن يكون استدعاؤها مبررا ومقبولا ووظيفيا في البيان والتبيين، وتبعا لذلك يحصل بينها التساند والتعاون في بناء المعنى بشكل تلقائي داخل الخطاب التأويلي. وخير مثال على ذلك خطاب التفسير، فقارئ التفاسير يجد خطابا تحضر فيه كل الخبرات الإنسانية والمعارف والعلوم من أجل توضيح معاني النص القرآني أو بحثا عن إدراك بلاغته وإعجازه. والأمر نفسه حاصل في النقد الأدبي، وشروح الشعر، بل وفي الخطاب التربوي داخل القسم، فمن يتأمل خطاب المدرسين يجد أنهم يوردون كل ما تُسعفُهم به معارفهم من أجل تقريب المعنى أو توضيحه أو تفسيره، وينطوي هذا الجهد بشكل غير واع من طرف هؤلاء المدرسين على خطاب تتساند فيه المعارف والكفايات والمهارات والوسائل. فالتساند من هذا المنطلق بنية مشتركة بين المتكلمين، وتقتضي التفصيل في مستوياتها وآلياتها من أجل تنظيمها ومعرفة فائدتها في بناء المعرفة والمعنى، وقد وضحنا ما يتعلق بالتساند التأويلي في قراءة النص الديني والأدبي، ويمكن توسيع ذلك ليشمل الخطاب التواصلي، والتربوي، وغيرهما.

س8: نلاحظ في المشهد النقدي العربي المعاصر غياب التأويل بالشكل الذي تروجون له بحيث يغلب على الكثير من الدراسات النقدية طابع الوصف والتفسير. أما الدراسات التي تراهن على التأويل، على قلتها، فإنها إما دراسات مفرطة في التأويل أو مفرّطة فيه. فما هي الشروط الواجب توافرها في التأويل المعتدل ؟

ج: لا تحصل مَلَكات التأويل التي يفضي إليها النموذج التأويلي إلا بتكرار الأفعال التأويلية، والخبرة الواسعة بالنصوص، والمعاودة والمراجعة، والتأمل والتقصي، وتجريب فرضيات قرائية كثيرة، واختبار الأصلح منها على محكات ومعايير قادرة على الصمود في وجه النقد، لكنها معايير معترف بها، إذ إن المَلَكات لا تحصل إلا بتَكرار الأفعال، والفعل يقع أَوَّلا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا، أي صفة غير راسخة، ثم يزيد التَّكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة. وقد أشار الزمخشري في مجال تفسير النص القرآني إلى هذا المطلب في مقدمة كشافه، أي المعاودة والمراجعة، فلا تحصل عند المؤوِّل بلاغة التأويل من خلال مواجهة واحدة (تقابل تأويلي واحد) مع النص، وبالأخص إذا كانت دون أدوات ودون خطط، وتفتقر إلى أدوات التأويل ومناهجه، آنذاك تسقط في تأويلية فقيرة باردة، مُتْعَبة ومنهوكة، لا تستطيع الثبات والمواجهة: لا مواجهة النص، ولا النقد، ومن ثمة فهي عاجزة عن مواجهة التأويلات المستندة إلى بلاغات التأويل وملكاته الضرورية.

إن تصورنا لأمر بناء المعاني يعتمد على الأصل المتقابل لها، بناء على الوجود المتقابل، غير أنه يمكن أن نضيف إليه المعارف المتقابلة، والمعاني المتقابلة التي تحملها الأشعار والأمثال والأقوال، والسياقات المتقابلة، وكل أنماط التواصل اللفظي وغير اللفظي ومن ثمة ينضاف إلى الملكات اللغوية، ذات الطبيعة المتقابلة كل ما هو متحصل من تقبل النصوص وتلقيها، وحفظها، وهو ما يؤسس قالبا ذا صبغة تقابلية تُسْكَب فيه المعاني، تبعا لقالب مثالي وجودي في الكون، وفي التفكير، فأمكن القول – تبعا لذلك – إنه هيئة للنفس راسخة، تشكلت بفعل تكرير التعبير عن العالم وما فيه بصورة تقابلية، ذات أوجه ثنائية أو ثلاثية، أو رباعية، أو سداسية، أو غير ذلك من أنماط التقابل التي حددناها؛ لكن انتظامها على شكل قوالب ذهنية  هو الأساس الذي يجري عليه التواصل بين الناس عموما، والتواصل الأدبي خصوصا، كما بيّناه من خلال حصول الملكة التقابلية التي تصبح صفة راسخة عند جميع المتكلمين، وتبعا لذلك تصبح ملكة راسخة عند المؤوِّلين الذين يتفاعلون مع النصوص بأشكال مختلفة وأدوات متباينة، غير أنها تنطلق من أساس أنطولوجي وإبستمولوجي واحد، هو التقابل الثنائي، أو المتعدد، إنه القالب الأساس، وإنما يُعبَّر عنه في كل مقاربة بمفاهيم ومصطلحات مختلفة، ذات أصل واحد، يتخذ صورا شتى، ويبحث عن أدوات متباينة بل متضاربة أحيانا للتعبير عن تلك العلاقة المنهجية أو المعرفية بالموضوع.

من هذا المنطلق تتأسس بعد رحلة المدارس النقدية وأنماط الاشتغال على النص المختلفة (نفسية، اجتماعية، بنيوية، سميائية، موضوعية، وجودية، إحصائية….)، ومن زاوية تأويلية ومعرفية أطروحة الأساس التقابلي في بناء المعاني وتأويلها، لتُقدِّم مقاربة شمولية استكشافية ومنهجية لعمليات بناء المعاني، وإعادة فهمها وتأويلها، انطلاقا من مرجعيات نقدية وأدبية وتأويلية ومعرفية وفلسفية، تنزع نحو الكونية، وتُقدم أنساقا قرائية قابلة للاستثمار والتطوير، تراثية وحداثية، نظرية تجريدية  بالقدر الذي تجد في كل الظواهر التمثيلية ما يدعمها، ويجعل منها مسارات كونية في الفهم والإفهام والوقوف على تشكلات النصوص، وتطبيقية بالقدر الذي تفيد في بناء  آليات اشتغال على النصوص والخطابات، وقادرة على  وضع مسالك تأويلية مقنعة ومثمرة في المقاربة.

س9: هل تعتقدون أن الاتجاه التأويلي الجديد الذي قدمتموه سواء المرتكز على التساند أم على التقابل حقيق بإقامة حدود موضوعية وعلمية للنشاط التأويلي، أم سيظل التأويل مغامرة مفتوحة على المجهول ومتأبية عن الحصر؟

ج: نحن بصدد تطوير النموذج المقترح القائم على التساند والتقابل وإرساء معالمه، وهو يحاول أن يُخرج التأويل من جبهات المغامرة واقتحام فيافي المعنى المجهول إلى أرض المعنى المعلوم الآمنة، حيث يشعر المؤوِّل بالأمان والاطمئنان، لأن منجزه تؤطره قواعد ومبادئ مستخلصة من تراث عريق ومن جهود إنسانية متعددة، وبالتالي فهو لا يبدأ علاقته بالنص مؤسسا أدواته وسالكا طرقات مجهولة بالنسبة إليه، مع أن الكثيرين سبقوه إليها. ما نسعى إليه هو الاستفادة من تراكمات نظريات التأويل وتحليل الخطاب، والاتفاق على أرضية موحدة للاشتغال، مستأنسين بالمنجز الهام الذي قدمه المهتمون بنظريات التأويل قديما وحديثا، ونمضي بالبحث إلى مستويات أعمق وأوسع، لا أن نرتد في كل مرة نحو البداية بدعوى التأسيس أو الاكتشاف أو الإحياء
أو الاحتماء أو التجريب أو التغريب أو غير ذلك. آن الأوان لكي لا يعود النقد العربي الحديث إلى مرحلة التيه والاضطراب، وأن يستكشف المستقبل النقدي بما يرقى بأدوات القراءة وتحليل الخطاب، من خلال المساهمات العربية الحديثة الجديرة بالاهتمام، ثم مناقشتها وتطوير ما جاء فيها. ولذلك فإننا لا ندعي الكمال فيما اقترحناه، وحسبنا أننا عدنا إلى التراث التأويلي العربي نستقصيه فارتوينا مما فيه، واستطلعنا بعض التصورات الغربية فطعَّمْنا بها افتراضاتنا في الموضوع، واجتهدنا فيما اقتنعنا به، ونواصل  بشغف تطوير هذه المقترحات، منتظرين أن يتوسع المشروع بإعداد أبحاث في المتون العربية القديمة والحديثة على السواء من طرف الباحثين الذين يقتنعون بهذا التصور، كما نأمل أن يغني بعض أدوات تحليل النصوص والخطابات في المدارس العربية كلما كان له دور وفائدة في إيصال المقاصد وبلوغ الأهداف البيداغوجية .

وتتميما للجواب عن هذا السؤال، وتعميقا لجوابي عن السؤال السابق، فإن الغرض من العمل بالنموذج التقابلي تحقيق انسجام التأويل، والحد من التأويلات البعيدة، والعمل داخل موجهات وحدود مقبولة، لكنه في الوقت ذاته يفسح المجال للتعدد التأويلي ولإبداعية التأويل وللاجتهاد في استقصاء أبعاد المعنى. نحاول أن يبدأ التأويل حيث انتهى الإنتاج، شرط التقيد بدلائل ملموسة داخل النص، والاشتغال بضوابط اللغة وبنتائج العلوم المرتبطة بالنص من لغويات وبلاغة وصرف وسيميائيات وحجاج ونظريات النص وتداوليات، وكل ما لا يتعالى على النص، ولا يحطم قيود الجهود المعرفية التي سعت إلى تأسيس علوم التأويل. وستظل هذه النزعة الأجدر بالبقاء والاستمرار، وإن ظهرت بعض النزعات التمردية أو التحررية بين الحين والآخر، فسرعان ما ستندحر وتموت، وتصير إلى الإهمال، لأن ما يحركها هو نزعات فردية وذاتية وفلسفية، لا يمكن أن تلغي ما توصل إليه العقل البشري خلال قرون من تمحيص أمور الفهم وبناء المعنى، وما أكدته الدراسات العالمة في هذا المجال. وإذا وصلنا  مرحلة العبثية والعدمية واللامعنى – عبر الإفراط أو التفريط المشار إليهما – فتلك بدون شك نهاية العلم والمعرفة والنقد والتأويل، وانهيار القيم المعرفية، وانتفاء الغاية من تداول النص وإنتاجه. والأجدى بالبشرية وقتئذ أن تتحول من التعامل بالنص والخطاب والمعنى والمقصد إلى أشياء أخرى مما تفرزه القيم الجديدة حينها، والله وحده أعلم بتفاصيلها.

س01: هل يمكننا الحديث عن تأويلية عربية خالصة ومستقلة بنفسها من حيث الآليات والمفاهيم والاستراتيجيات، أم أن هناك تأويلية واحدة كونية لا تختلف إلا في بعض الجزئيات البسيطة التي لا تضر بالسياق العام ؟

ج: عندما نتكلم عن ممارسة تأويلية، فإننا نتكلم عن نشاط بشري، وبالتالي فممارسة التأويل تتم بميزان واحد وبأدوات متشابهة، مادامت مرتبطة بالإنسان الذي تنشأ تأويلاته عن افتراضات دلالية، ثم تأويلات لغوية، وبلاغية وتاريخية واجتماعية ونفسية وغيرها. ولأن منتجي النصوص بشر فهم يتوجهون إلى بشر مثلهم قادر على التأويل والفهم، إن الأطر العاملة في التأويل مشتركة وكونية، ولولا عوائق اللغات لزالت الحُجُب بين الثقافات والنصوص والمعارف والخطابات، ولذلك يظل الانتفاع بما أنجزته الثقافة العربية القديمة ضئيلا عند غير العارفين بالعربية، بل لدى كثير من العرب أنفسهم بسبب عدم الاختصاص وغرقهم في مشاغل الحياة المختلفة. غير أننا لا نطلق الأمر على عواهنه، فنقول بالتشابه في كل شيء، هناك خصوصيات محلية في كل ثقافة، وتبعا لذلك فتأويل أي نص لابد أن يستحضر – عندما يتطلب الأمر ذلك – هذه الخاصية المرتبطة بأعراف خاصة مثلا، أو تقاليد اجتماعية أو أحداث دقيقة أو غيرها، وهو ما يحقق تأويلا بليغا ومبلغا وتاما. هناك إذاً قواعد للتأويل وضوابط عامة مشتركة، وهناك مبادئ تزيل طابع الصرامة والدقة العلمية عن التأويل، وتفسح له المجال ليتحرك بحرية ليُنجِز تأويلا بليغا وبالغا.

س11: ختاما ما هي مشاريعكم المستقبلية، وهل ستبقى هذه المشاريع مخلصة للتأويل أم أنها ستنحو مناحي أخرى مغايرة أومغنية للاتجاه السابق؟

ج: نعم بكل تأكيد، ما نحن بصدده من أبحاث في التأويليات امتداد وتطوير وتعميق لمنجزنا السابق، وهو ينحو منحى تنظيريا عاما وشاملا وموسعا، نسأل الله تعالى أن نوفق فيه، وأشكر الأستاذين الباحثين سعيد العوادي وهشام دركاوي على أسئلتهما العميقة والعالمة، وعلى جميل اهتمامهما، وإثارة أسئلة كبرى تدخل في محور اهتمامات نظريات التأويل وتحليل الخطاب الحالية

رابط المقال

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top