الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي

حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي عن الطعام والكلام

«عمل المؤلف على طبخها على نار هادئة لتصير مأدبة علمية مفيدة»

حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي

حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي

صدر، أخيرا، للباحث والأكاديمي المغربي سعيد العوادي، عن دار النشر (أفريقيا الشرق)، بالدار البيضاء، كتاب جديد تحت عنوان «الطعام والكلام… حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي».

ويقول المؤلف إن مقاربته للموضوع أفضت إلى تقديمه للقارئ في أربعة أطباق «لعلها تفتح شهيّته وتستحثّ إقباله»، وهي «حقل الطعام: بين ضيافة الدنيا وضيافة الآخرة»، و«جسور الطعام: من الطعام البلاغي إلى الطعام البليغ»، و«شعرية الطعام: القِرى والمأكول والمشروب»، و«نثرية الطعام: الموهوب والمنهوب والمرهوب».

وتناول العوادي في الطبق الأول وجبة اصطلح عليها بـ«حقل الطعام»، متنقلا من ضيافة الدنيا إلى ضيافة الآخرة. وللكشف عن مميزات ضيافة الدنيا اعتمد المرجع المعجمي للوقوف على دلالات فعلين مركزيين في ممارستي الأكل والشرب، هما: أَكَلَ وشَرِب. ثم مضى يرصد رحلة الطعام، ومرافقته للإنسان في حياته وموته مؤثثا للطفرات النوعية في مسيرته، وصولا إلى الحديث عن تقابلات الطعام داخل الحياة الاجتماعية والثقافية العربية، على اعتبار أن «الطعام لبنة أساس داخل المعمار الحضاري العربي»، فرأى «انسلاكه في التعبير عن المحاسن والمساوئ التي تعاقد عليها المجتمع، وتحوّله إلى أداة للتعبير عن قناعة فكرية»، فاكتشف أن «تراثنا سبّاق إلى الاحتجاج بما يسمى الإضراب عن الطعام»، كما التمس الخصوم المحاصرون في مشاركة الطعام شكلا من رابطة النحو ومنجاة من الأذى المفترض. بل وُظّف الطعام آلية هوياتية دفاعية وهجومية تحاجج لنصرة الذات الفردية والجماعية في معترك الصراع الداخلي مع ذوات شبيهة أخرى، فلاحظنا اعتماد الأفراد والقبائل على سلاح «المعايرة بالطعام» لتشويه سمعة شخصيات دينية وسياسية أو قبائل مناوئة. وكذلك انخرط الطعام في معترك الصراع الخارجي مع أمم مخالفة أخرى، فرأينا استناد الحركتين الشعوبية والعروبية إليه في صراعهما المعروف. أما فيما يتعلق بضيافة الآخرة، فقد تناول الحضور الطعامي في القرآن الكريم والحديث الشريف، متجاوزا البحث في ثنائية الحلال والحرام ذات البعد الفقهي التي انحصرت فيها قراءة القدماء والمحدثين، إلى اقتحام آفاق جديدة أخرى، مستهديا بالمقاربة البلاغية، التي جعلته يلتفت إلى الإعجاز الطعامي بوصفه وجها مبعدا من وجوه الإعجاز القرآني.

وقدّم العوادي، في الطبق الثاني، وجبة وسمها بـ«جسور الطعام»، عمل فيها على الانتقال من الطعام البلاغي إلى الطعام البليغ، فعالج في نقطة الانطلاق قضية بالغة الأهمية لدى المعنيين بالطعام من جهة، والبلاغة من جهة أخرى؛ حيث بحث عن آثار الطعام في النظرية البلاغية في مستوييها المصطلحي والشاهدي، وكشف القناع عن «المرجعية الطعامية في مصطلح البلاغة»، فوجد «صلات غائرة تربط مصطلح البلاغة بالتبلغ الأكلي، ومصطلح الفصاحة باللبن الصافي، ومصطلح الاستعارة باستعارة الأواني المطبخية، ومصطلح الذوق بتذوّق المآكل والمشارب. أما في الطبق الثالث، فتطرق للطعام بوصفه مادة شعرية»، اعتنى بها الشعراء، فقسّم الموضوع على ثلاثة أقسام، بسط فيها القول في تيمة قرى الأضياف عند الشعراء، فألفاها تتأسس على «تجاذب» عناصر مساعدة (اليفاع، والكلب، والنار، والناقة) وعناصر معيقة (الليل، والقر، والزوجة)، وبدا له أن «خطاب المرأة الداعي إلى الوسطية وحسن التدبير أكثر تعقّلا من خطاب الرجل الداعي إلى إفناء المال وسوء التبذير». كما درس نصوصا مختلفة لشعراء تفنّنوا في صفة الأطعمة والأشربة، ووقف عند ريادة ابن الرومي والمأموني في هذا الباب الشعري اللطيف، ثم تابع المسير صوب شعر الشراب، لبيان علاقة هذا الخطاب باختراق السلط المختلفة. وتوسع على مستوى الطبق الرابع، في تجلية «تشكّلات الطعام» داخل نصوص الأخبار والخطب والرسائل والمناظرات والمقامات من خلال التركيز على الثالوث الطعامي: الكريم، والطفيلي، والبخيل، المنتج لضروب ثلاثة من الطعام هي على التوالي: الطعام الموهوب، والطعام المنهوب، والطعام المرهوب.

وقد تتبع الطعام الأول في النثر الفني، والنثر الإرشادي (كتاب «آداب المؤاكلة» للغزي)، والنثر العلمي (كتب الطبيخ). وعرض للطعام الثاني من خلال «استجماع فلسفة التطفيل، ورصد محكي التطفيل بالبحث في بنيته السردية ومغالطاته الحجاجية والتناصية»، فبدا له أن «التطفيل رؤية طعامية للعالم» تهدم عالم الكرم وتبني عالما بديلا.

وانتهى مسيره عند «الطعام المرهوب» مع البخلاء الذين حاولوا، على غرار الطفيليين: «هدم مفهوم الكرم الهشّ، وبناء مفهوم مغالطي يدعو إلى الاقتصاد والإصلاح». ثم حاول «تجميع عناصر متفرقة لتشكيل صورة طعام البخيل، وما يسيّجه به من حيل متنوعة لصيانته عن الأكَلة المتلصّصين».

في «تحلية» كتابه، يخبرنا العوادي أن «الكتابة محض عملية طبخ تامة ومتكاملة لمواد معرفية منتقاة، يستعمل فيها الكاتب الطاهي بهارات لغوية ومنهجية بخبرات مخصوصة، بغاية تقديمها إلى قارئ نهم متلهّف باستمرار إلى كل ما لذَّ وطاب». وهكذا، و«اندماجا مع هذه التعليمة»، يضيف العوادي: «جمعنا مكونات معرفية كثيرة من حقل التراث العربي الواسع والمتداخل، ثم عملنا على طبخها على نار هادئة لتصير مأدبة علمية مفيدة، ثم قدَّمناها إلى القارئ الكريم في أربعة أطباق رئيسية، مسبوقة بمُفَتِّحة، ومختومة بتحلية»، ليخلص إلى النتائج العامة للأطباق الأربعة التي انتظمت ضمن وليمة اصطلح عليها بـ«الطعام والكلام»؛ لكون «هذا الكتاب ظل معنيا بإبراز العلاقة بين الطعام والكلام وفق منظور بلاغي ثقافي منفتح على مقاربات نسقية وسياقية؛ حيث لم يبتعد الكتاب قيد أنملة عن أثر الطعام في الكلام، بما يمدّه من تعبيرات مجازية ورمزية تبني جسورا من التفاعل مع محيطنا الواسع، وعن أثر الكلام في الطعام حين يصبح حاملا له ومعبّرا عنه كما في حالة الطعام التراثي الذي أوصلته لنا موائد اللغة».

في «مُفتِّحة» الكتاب، يهيئ العوادي قارئه لثنائية «الطعام والكلام» في عنوان كتابه، بداية بحمد الله الذي «أفاض علينا بألوان الشراب وصنوف المأكولات، وميّزنا باستعمال الكلام وابتداع الاستعارات، ومنحنا عقلا وذوقا يمزج المفردات بالطيبات، فنجمّل أطباقنا ببديع المشتهيات، ونزيّن كلامنا بلذيذ العبارات»، مع «الصلاة والسلام على أشرف المخلوقات، الناطق بمستحلى اللغات، صاحب المكرمات، والمبشر بالجنات»، مع إشارته إلى أن التداعي الأول الناتج عن قراءة مفردتي «الطعام» و«الكلام» في عنوان الكتاب قد يكون من أن «العلاقة بينهما لا تعدو أن تكون علاقة صوتية بديعية»، فيما «الواقع أن بينهما من الصلات المتوثقة ما يتجاوز الصوت إلى المعنى اللغوي والدلالة الحضارية؛ فليس من التوافق الساذج أن تلتقي اللفظة واللقمة في فم الإنسان، فتلفظ الأولى إلى الخارج، وتلقم الثانية لتستقر في الداخل. إنها علاقة خلافية يحيا بها الكائن الإنساني، فالطعام حصنه المادي ضد الجوع والمرض، والكلام حصنه المعنوي ضد الوحدة والخواء».

وعندما يلتقي الطعام بالكلام، يتحقق الدفء الإنساني بمعانيه المختلفة في الحضارات البشرية المتعددة؛ لأن الطعام ليس مادة قصاراها أن تهضم، ولكنها مادة تسعى إلى أن تتكلّم، كما لا ينحصر دورها في بناء الذات، وإنما يمتد إلى بناء الحياة.

 

الكتابة محض عملية طبخ تامة ومتكاملة لمواد معرفية منتقاة، يستعمل فيها الكاتب الطاهي بهارات لغوية ومنهجية بخبرات مخصوصة

ولخص الأكاديمي والباحث والناقد محمد زهير، في تصديره للكتاب، لقيمة العمل الذي يقترحه العوادي، بقوله إن الكتب ذات القيمة تقرأ لفائدتها، وإنها إذا ضمّت إلى الفائدة الإمتاع فتلك «غاية قصوى للحظوة بمأدبتها أو مآدبها»، مع إشارته إلى أن كتاب العوادي «من هذا الصنف الجامعة مآدبه بين واسع الفائدة وروقان المتعة، باستقصائه المستفيض من وفير الكلام عن الطعام مأكوله ومشروبه في التراث العربي، سواء من جهة إضفاءات اللغة على الطعام أسماء ووسوما وصفات وتكنيات… أو من جهة ما قيل أو دوِّن عن الطعام مختصّا به أو مستعارا منه، لإنفاذ رأي وإرسال وجهة نظر… أو من جهة ما روي أو كتب عن سلوكات وأقوال مَن كانت علاقتهم بالطعام في حالات البذل أو التقتير أو الشره متخذة نمط حياة خارج المعتاد لدى العموم، ولا تخلو أحيانا من طرافة أو عجب واستغراب… فمدارات هذه الجهات على العلاقة بين الطعام والكلام، وهي علاقة تراسلات وتطعيمات واسعة شاسعة، لما لمقوم الطعام من ضرورة الحياة، ولما لفعل الكلام من ارتباط حميم بكل مجالاتها». وأن يهتم الكلام في مجال البلاغة ورحاب الثقافة كل ذلك الاهتمام الواسع بالطعام، يضيف زهير: فـ«لأن الطعام هو الدم الساري في شرايين الحياة والأساس المادي لشرط قيامها»، و«أن يرتقي الكلام في مقامات البلاغة بالخطاب عن الطعام مجردا منه صورا ومعاني تعبر عن أحوال وأهداف واختيارات، فذلك إن دلَّ على أساسية الطعام وضرورته في الحياة، فإنه من وجه ملازم يدل على أن الإنسان لا يحيا بالطعام وحده، إذ مجرى الحياة ومعناها مستدعيان لشبكة تقاطعات مادية ورمزية بها يتحرك المجرى وينبني المعنى»، مع إشارته إلى أن في كتاب العوادي «ألوانا وصنوفا عديدة من موائد الكلام المعدّة استنادا إلى موائد ومِنح الطعام، ترمي من خلالها ليس فقط العلاقة العضوية بينهما، بل وإلى ذلك تدخّل الذهن والخيال والذوق في تصنيع مأدبتي الطعام والكلام المراوحتين في مناسيب البساطة والرفاه وفق مصدر كل منهما

د عبد الكبير الميناوي

صحيفة الشرق الأوسط

رابط المقال

 

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top