الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي
يُعد كتاب «الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي» من أبرز مؤلفات الدكتور سعيد العوادي؛ أستاذ البلاغة والنقد القديم بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض، مراكش (المغرب)، وهو استمرار لمشروعه الفكري والثقافي في نفض الغبار عن مكنونات وجواهر البلاغة عند العرب القدامى، لاسيما أن المائدة لها ارتباط وثيق بالكلام في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، فالمائدة ليست مجرد فترة لتناول ألذ الطعام، بل هي فرصة للكلام والبوح، وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا التي تشغل بال المجتمعين حولها.
وإذا كان الطعام أحد أصول الحياة، على اعتبار أنه متصل بالبعد البيولوجي للإنسان، في منح الجسد القدرة على القيام بوظائفه الحيوية، فإن الكلام يظهر كخطاب ثقافي في بناء تمثلات الأفراد والمجتمع، لاسيما في بعده الاجتماعي التفاعلي، وإذا كان لابد من اجتماع لحظتي الطعام والكلام خاصة عند العرب القدامى، فعند الأنثروبولوجيين، يعد تعبيرًا عن التبادلات الثقافية المرتبطة بالحياة والحضارات الإنسانية، حيث إنه مؤشر بارز ومساعد على اكتشاف الحضارات السابقة.
في هذا السياق، يأتي كتاب «الطعام والكلام» للجامعي المغربي سعيد العوادي، في 295 صفحة من القطع المتوسط، عن دار النشر إفريقيا الشرق، (الدار البيضاء، المغرب، 2023م)، ليقدم تصورًا مغايرًا عن العلاقة الممكنة بين الطعام والكلام، من حيث إن الطعام يعبر عن خطاب مركزي في صناعة أنظمة الخطاب الإبداعي، والخطاب هنا يشتمل على معنيين: الأول، هو محورية الطعام في تشكيل بنيات خطاب الأجناس الأدبية، من خلال استقراء مدونة تراثية شاسعة، تحوي نصوصًا شعرية من توجهات ثقافية متباينة، ونصوصًا نثرية من أخبار ومقامات وخطب، والمعنى الثاني هو دلالة مفهوم الخطاب الذي يستدعي بالضرورة أبنية حجاجية سواء الواقعية منها أو المجازية.
وقد بدأ سعيد العوادي مشروعه النقدي والفكري في التأسيس للبلاغة العربية، الذي باشره بإصدار كتابه المعنون «أسئلة البديع: عودة إلى النصوص البلاغية الأولى» (2009م)، ثم كتاب «حركية البديع في الخطاب الشعري: من التحسين إلى التكوين» (2013م)، حيث وصل هذا الكتاب إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب سنة (2014م)، وحيث إن كتاب «الطعام والكلام» حصل هذه السنة على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية، وهذا مؤشر ضمن مؤشرات أخرى، يجعلنا نقدم على تقريب هذا الكتاب من القارئ العربي، ولعل التقديم الذي خص به الأستاذ محمد زهير هذا المؤلف، بمنزلة علامة دالة على أهمية الكتاب لما يطرحه من قضايا ذات جدة وجدوى في سياق البحث المستمر في البلاغة الجديدة، والمنظورات المتولدة عن هذا الاتجاه، الذي أضحى غالبًا على مختلف الدراسات والأبحاث المنجزة في هذا المجال.
بنية الكتاب
قسم المؤلف كتابه إلى «بيضة البقيلة» بمثابة مقتبسات لأعلام مختلفة، ثم أتبعها بتصدير من الدكتور محمد زهير، ومفتحه بمنزلة مقدمة عامة، إلى جانب هذا، يتكون الكتاب من أربعة أطباق، حيث جاء الطبق الأول تحت عنوان: «حقل الطعام بين ضيافة الدنيا وضيافة الآخرة»، والطبق الثاني يحمل عنوان: «جسور الطعام: من الطعام البلاغي إلى الطعام البليغ»، والطبق الموالي، جاء بعنوان: «شعرية الطعام: القِرى والمأكول والمشروب» ثم أخيرًا، الطبق الرابع، المعنون بـ «نثرية الطعام: الموهوب والمنهوب والمرهوب»، ثم «تحلية»، و«مطبخ الكتاب» في أخير صفحات هذا الكتاب.
وقد خص الطبق الأول بالإحاطة بملابسات حقل الطعام في تشكلاته وتكوناته الدنيوية عند الإنسان العربي، مع التفصيل في تشكلاته الأخروية في القرآن الكريم والحديث النبوي، على اعتبار أن لفظ «الطعام» يشتمل على المأكل والمشرب على حد سواء، بناء على ما قاله ابن سيده، في معجمه «المخصص» أن الطعام اسم جامع لما يؤكل، وقد يقع على المشروب.
كما عمل المؤلف في هذا الفصل، على العودة إلى الأصول اللغوية والبلاغية للطعام، مستندًا إلى ثنائية المائدة والمجتمع، لاسيما أن الطعام ليس عملية بيولوجية صرفة، بل عملية تتعدى ذلك إلى الانخراط في أسئلة الثقافة والدين والاجتماع والسياسة في ظل التحديات التي تعترض طريقنا في الواقع المعيش، وفي علاقتنا بذواتنا والآخرين، والمجتمع والعالم والطبيعة والحيوان.
أما الفصل الثاني، فقد كان مختلفًا من حيث الموضوع وطريقة تناوله، حيث تطرق فيه المؤلف إلى أن الطعام إذا كان سمة مميزة للعرب كغيرهم من الأمم، فإنه مكون حياتي يتشابك مع مختلف الخطابات الحياتية، ولا سيما خطاب البلاغة العربية، الذي يشير الباحث إلى أنها إذا كانت مرتبطة عند الدارسين في القديم والحديث، بالبلوغ والوصول والانتهاء، فإن عددًا من الباحثين، يغفلون ارتباط البلاغة بـ«وصول إلى الهدف» أو هي «حث على الفعل» كما عند الفرس، أو بمصطلح «البُلْغَة» أي أنه «بلوغ بأقصر سبيل».
وإذا كان لابد من هذا التفصيل في المعاني والدلالات، فإن البلاغة العربية تعكس تصور الإنسان العربي للحياة والعالم، حيث إن العرب القدامى امتدحوا قلة الطعام، كما امتدحوا الإيجاز في الكلام، وعابوا الشره في الطعام، كما عابوا التطويل في الكلام (ص 86)، كما عظموا الذوات الذكورية النحيفة، وألصقوا بها معاني توقد الذهن، لهذا قال الرقاشي: «السمنة للنساء غُلمةُ، وللرجال غفلة» (ابن قتيبة أبو محمد عبدالله: عيون الأخبار، 3/229).
وقد عمل المؤلف في «الطبق الثالث» على تفسير كون الطعام والشراب ليس مجرد مادة للغويين وأهل الطب والصيدلة والتغذية، بل موضوعًا محببًا للأدباء والشعراء في مختلف عصور الأدب العربي القديم، واستنادًا لما سبق ذكره، فقد عرضت موائد الطعام في خطاب الشعراء، بدءاً من الوصف الخارجي الدقيق المثقل بالخيال الأدبي إلى التعبير الرمزي، الذي يتضمن التعبير عن المواقف، عن الذات، والآخر، والحياة الثقافية، والاجتماعية، والسياسية.
وإذا احتفى العرب القدامى بالضيافة وأعلوا من قيمة الكرم، لدرجة أن يضرب المثل بـ«حاتم الطائي» كرمز للكرم والشجاعة، فإن المطلع على خارطة الشعر العربي القديم، سيتأكد بما لا يدع مجالاً للشك من أن مكون الطعام هو غرض شعري قائم الأركان، يحوي أغراضًا شعرية صغرى، وإن كان البعض يدرجه ضمن الوصف، فقد اتسعت دائرته كميًا وكيفيًا في الشعر العربي القديم.
أما الطبق الرابع، فقد خصصه الباحث للنبش في خطاب النثر، من خلال ما نتلقاه في الرسائل والأخبار والمناظرات الواقعية والخيالية والرحلات والمقامات، وإن كان مما يُحسَبُ للمؤلف في هذا السياق، هو القيام في هذه اللحظة الحجاجية في متن الكتاب، بتقسيمه بشكل منهجي ومدروس إلى ثلاثة أنواع من الطعام؛ وهي الطعام الموهوب: (هو طعام الكرماء الذين يهبونه للآخرين، ويحرصون أن يكون مثل أي هبة يعكس فخامتهم وعظمة مقامهم) (ص 211)، والطعام المنهوب: (يتجلى في خطاب الطفيليين أساسًا، والذين يقفون على الجانب المقابل من الكرماء، فيحولون طعام الكريم من صفة الوهب إلى صفة النهب، ما دامت وظيفتهم، محصورة في رصد ولائم أهل الكرم قصد الهجوم عليها وافتراسها) (ص 230)، ثم، الطعام المرهوب: (يبرز على مائدة البخيل، بوصفه ثروة محصنة، لا يستطيع أحد الاقتراب منها، وإذا تجاسر أحدهم للنيل منها، وقع ضحية إرهاب متعدد من لدن صاحبها، ص 257).
وتبعًا لذلك، فإن بنيات الطعام المذكورة، تعبر عن الثالوث الإنساني في التعامل مع الطعام: الكريم والطفيلي والبخيل، حيث يتنقل الخطاب المؤسس عن الطعام من الجدية والرزانة مع الكريم الحريص على تثبيت القيم والسلوكات المحبوبة داخل المجتمعات العربية، إلى الهزل والضحك مع الطفيلي والبخيل، الذين يسعيان إلى هدم تلك القيم والأخلاقيات من جهتين متضادتين: حيث جهة النهم والهجوم على الولائم عند الطفيلي، وجهة التقتير والحرص المبالغ فيه عند البخيل.
مناقشة ختامية
إن كتاب «الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي» لمؤلفه سعيد العوادي لا يقتصر على تقديم قراءة جديدة ومغايرة لحضور مختلف أشكال الطعام، كما يفعل الأنثروبولوجيون عند دراستهم للتفاعلات الاجتماعية والرموز المعبرة في اكتشاف طرق عيش القدامى، بل يتعداه إلى الغوص في التراث العربي القديم عبر منهجية علمية دقيقة ومضبوطة، تتوخى الكشف عن الخطابات المبثوثة في مختلف أشكال النصوص الشعرية والنثرية القديمة، وإذا كان لابد من التذكير بأهمية الكتاب، فإن ما يُحسَبُ «للباحث» في هذا الصدد هو احتكاكه المباشر بعدد من النصوص والمراجع المتعددة في ما أسماه بـ«مطبخ الكتب»، والتي تدل على تمكن الباحث من منهجه العلمي في استقصاء النصوص ورسم أفق أوسع للبلاغة الجديدة، لاسيما أن المنظورات التي يعتمدها المؤلف في متن كتابه هذا، تعبر بلا شك عن حرص وتبصر في إخراج عمل جدير بالقراءة والمتابعة النقدية، ولعَّل الاحتفاء الذي حظي به هذا الكتاب هو خير دليل على ما نقول.
إن كتاب د. سعيد العوادي يرسم آفاقًا واعدة للبلاغة العربية والمنظورات والمقاربات الجديدة التي يعمل جيل من الباحثين الشباب على تجريبها عبر العودة إلى المتن العربي القديم، لاسيما أنه بحث متجدد في الإشكالات والقضايا، والعدة المنهجية في التحليل ورسم التصورات ■



