الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

الطعام موضوعا سرديا

الطعام موضوعا سرديا

في “مطبخ الرواية” للمغربي سعيد العوادي

إيلاف من الرباط

الطعام موضوعا سرديا

صدر أخيرا،عن دار النشر “إفريقيا الشرق”بالدار البيضاء،كتاب جديد للناقد والأكاديمي المغربي سعيد العوادي،تحت عنوان “مطبخ الرواية / الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير”،تناول فيه بالقراءة والتحليل حضور الطعام في تسع روايات عربية، هي “بين القصرين” لنجيب محفوظ، و”الإفطار الأخير” لهشام شعبان و”كُحل وحَبَّهان” لعمر طاهر (مصر)، و”بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات” لمحمد برادة، و”جيران أبي العباس” لأحمد التوفيق (المغرب)، و”المهزومون” لهاني الراهب (سوريا)، و”الطلياني”لشكري المبخوت (تونس)،و”برتقال مرّ” لبسمة الخطيب (لبنان)، و”خبز على طاولة الخال ميلاد” لمحمد النعّاس (ليبيا)، وذلك وفق بناء منهجي ركز على “روافد الطعام الروائي” و”الرواية والطعام المشهدي” و”الرواية والطعام التضفيري”. كما استحضر الرافد الخارجي، من خلال اقتراح عينة من الروايات ذات المرجعية الطعامية، هي “طعام.. صلاة.. حب” للأميركية كية إيزابيل جيلبرت، و”ذائقة طعام هتلر” للإيطالية روزيك بوستورينو،و”كالماء للشوكولاتة”للمكسيكية لاورا إسكيبيل،و”أفروديت” للتشيلية إيزابيل أللّيندي،تظهر تفاعل الرواية العربية مع نظيرتها الأجنبية بأشكال مختلفة من التفاعل:الاقتباس،والاستلهام،والتحوير.وهو تفاعل،يقول عنه العوادي، إنه “أمر لا بدّ منه، ويمنح للرواية العربية بعدا عالميا”،متحدثا في هذا السياق،عن علامات كثيرة تدلّ على استفادة الرواية العربية من الروايات الغربية وروايات أميركا اللاتينية في جعل “الطعام موضوعا سرديا، واعتماد الطبّاخ أو الخبّاز أو المتذوِّق شخصيات محورية، بعدما كانت شخصيات ثانوية، تعيش على هامش السرد الروائي العربي”.

قبل “مطبخ الرواية” بأشهر ، نشر العوادي كتابا، صدر عن دار النشر ذاتها،تحت عنوان “الطعام والكلام /حفريات بلاغية وثقافية في التراث العربي”، أكد فيه أن بين الطعام والكلام أكثر من آصرة،بل بينهما كل الأواصر،فــ”الأطباق نصوص والطهاة نحاة المطابخ “. وتبعا لهذا، وغيره، توفق العوادي، في كتابه السابق، في اختيار العنوان الرئيسي لكتابه، مادام أن التداعي الأول، الناتج عن قراءة مفردتي “الطعام” و”الكلام” في العنوان قد يكون من أن “العلاقة بينهما لا تعدو أن تكون علاقة صوتية بديعية”، فيما “الواقع أن بينهما من الصلات المتوثقة ما يتجاوز الصوت إلى المعنى اللغوي والدلالة الحضارية”؛ إذ “ليس من التوافق الساذج أن تلتقي اللفظة واللقمة في فم الإنسان، فتُلْفَظ الأولى إلى الخارج، وتُلْقَم الثانية لتستقر في الداخل”.

في تحلية “الطعام والكلام”،يشير العوادي إلى أن”الكتابة محض عملية طبخ تامة ومتكاملة لمواد معرفية منتقاة، يستعمل فيها الكاتب الطاهي بهارات لغوية ومنهجية بخبرات مخصوصة،بغاية تقديمها إلى قارئ نهم متلهّف باستمرار إلى كل ما لذَّ وطاب “.

واندماجا مع هذه “التعليمة”،سيجمع العوادي “مكونات معرفية كثيرة من حقل التراث العربي الواسع والمتداخل”،عمل على “طبخها على نار هادئة لتصير مأدبة علمية مفيدة”،قبل أن يقدمها إلى القارئ في أربعة أطباق رئيسة،مسبوقة بمُفَتِّحة، ومختومة بتحلية، ليخلص إلى النتائج العامة للأطباق الأربعة، التي انتظمت ضمن وليمة اصطلح عليها بـ “الطعام والكلام”.

وتحدث العوادي عن خلفيات ومبررات جمعه بين الطعام والكتاب في العنوان الرئيسي ، بحديثه عن “إبراز العلاقة بين الطعام والكلام وفق منظور بلاغي ثقافي منفتح على مقاربات نسقية وسياقية”، عبر التركيز على “أثر الطعام في الكلام، بما يمدّه من تعبيرات مجازية ورمزية تبني جسورا من التفاعل مع محيطنا الواسع، وعن أثر الكلام في الطعام حين يصبح حاملا له ومعبّرا عنه كما في حالة الطعام التراثي الذي أوصلته لنا موائد اللغة”. فعندما يلتقي الطعام بالكلام، يقول العوادي، “يتحقق الدفء الإنساني بمعانيه المختلفة في الحضارات البشرية المتعددة؛ لأن الطعام ليس مادة قصاراها أن تهضم، ولكنها مادة تسعى إلى أن تتكلّم، كما لا ينحصر دورها في بناء الذات، وإنما يمتد إلى بناء الحياة”.

سجل غذائي

كتب العوادي، في مقدمة إصداره الجديد (مطبخ الرواية)-الذي يمكن القول إنه يأتي امتدادا للجهد الذي دشنه صاحبه في كتابه السابق (الطعام والكلام)،لكن مع التركيز على علاقة الطعام بالكلام في نصوص سردية حديثة – أن فن الرواية يصنع عالما متخيَّلا يتفاعل مع العالم الواقعي من خلال مبدأي التقاطع والتوازي “يشغِّل فيه الروائي حُزمة من الحيل بهدف الإيهام بإمكانية تحققه. ويعدّ توظيف الأطعمة والأشربة واحدا من هذه الحيل الإيهامية،التي تجعل للشخصيات الروائية حضورا حيّا وإنسانيا،لا سيما وأن “السِّجِلَّ الغذائي موجود في كل مكان” من حياتنا اليومية”.

ويرى العوادي أن الروايات تتضمّن “مطابخ متنوّعة” و”تزخر بصنوف من الموائد تهيّج الحوّاس”، فــ”تكاد تتراءى للقارئ صور جلسات تناول الوجبات وارتشاف الكؤوس وألوان الملذات،ويسمع صرير احتكاك الشوكات بالسكاكين وقرقرة الأشربة ونشيش الطهي،ويشم روائح الأطباق وشذى التوابل وأريج الفواكه،ويتذوّق لذيذ المشهيّات. فتخلق في نفسه حالات سيكولوجية متباينة، كأن توقظ ذكرى ماضوية مطمورة،أو تومض فكرة منطفئة”.ولا غرابة في ذلك،”يضيف العوادي،”ما دمنا نوسّع الدائرة الوظيفية للطعام،فلا تنحصر في الوظيفة البيولوجية،وإنما تمتدّ في الوظائف الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والثقافية،حيث يُجسِّر الطعام علاقات راسخة مع أسئلة الوجود والهوية والغيرية والطبقية والجندر”.

ليست الأطعمة والأشربة بعيدة عن دينامية الحكي،يقول العوادي،فـ”لكل طعام أو شراب،بل لكل مكوّن منهما، ذاكرته السردية الخاصة التي تحمل معها تنويعا من العلاقات الإنسانية المتجذرة في الزمان والمكان.كأن كلّ مفردة من مفردات الطعام والشراب هي عنوان لرواية كاملة الأركان،وإذا ما اخترقت العالم السردي التخييلي رفدته بتجربة إنسانية منحته مزيدا من العمق والفرادة.بل أفلا تكون الرواية الجيّدة،هي الأخرى”طبقا سرديا”يتفنّن فيه الروائي الطبّاخ بانتقاء مقادير شخوصه وأحداثه وأمكنته وأزمنته،مع إضافة ما يوائم ذلك من توابل سردية، ثم يطبخها على نار الخبرة والتجربة ؟ ! “.

أطعمة الرواية

يرى العوادي أن النقد الروائي لم يحفل بـ “أطعمة الرواية” (يشير الكاتب إلى أن الطعام يدل في العرف العربي على المأكول والمشروب معا)، بدليل خلوّ مدونته الواسعة من أي كتاب تفصيليّ استقلّ بتناول هذا المكوّن الحيوي بأي صيغة سواء أكانت وصفية أم تاريخية أم تأويلية.

بالنسبة للعوادي،يبدو أن سبب ذلك يعود إلى “تلك النظرة “الذكورية” التي تحكّمت، بكيفية ما، في التناول النقدي للنصوص الأدبية جملة؛ ولربما عدّ كثير من النقاد “الروايات الطعامية” أدبا من الدرجة الثانية أو الثالثة، وترسّخ في اعتقادهم أن مشاهد الطعام والشراب شأن نسائي خالص، وكأنه موضوع مبتذل لا يليق بوقار النقد أن يخوض فيه، ويعتني بتفاصيله. ولمّا كان المكوّن الطعامي يتموضع، غالبا، ضمن المقاطع الوصفية للرواية، فكثيرا ما كان يلحقه ما يلحق الوصف نفسه من “قراءة القفز” التي يعتمدها كثير من قراء الرواية لطيّ المساحات الوصفية المتّهمة بكبح حركية السرد. وهو ما أفضى، بالضرورة، إلى خفوت الاهتمام بدراسات الوصف عموما، ووصف الطعام على وجه الخصوص”.

مقاربة موضوعاتية

رغبة منه في “إنصاف جهد الروائيين العرب ومحاولة سدّ هذا الخصاص(النقص) في الدراسات النقدية”، عمل العوادي على أن يتّجه “مطبخ الرواية” رأسا إلى تناول هذا الموضوع، باعتماد مقاربة موضوعاتية منفتحة على القراءة الثقافية والتناول البلاغي الموسّع، مع تسييج الدراسة ضمن ثلاثة فصول رئيسة؛ أولها فصل “روافد الطعام الروائي” الذي يروم فيه تحديد المراجع التي استندت إليها الرواية العربية في الأفق التراثي العربي، من خلال نماذج سردية من أخبار الطفيليين وأخبار البخلاء وأدب المقامات. كما استحضر، أيضا،الأفق الحديث الغربي والأميركي اللاتيني، من خلال التركيز على أربعة أعمال روائية مهمة هي:”طعام..صلاة..حب” للروائية الأميركية إيزابيل جيلبرت،و”ذائقة طعام هتلر” للروائية الإيطالية روزيك بوستورينو،و “كالماء للشوكولاتة ” للروائية المكسيكية لاورا إسكيبيل،و”أفروديت” للروائية التشيلية إيزابيل أللّيندي. ووسم الفصل الثاني بـ “الرواية العربية والطعام المشهدي”،تتبّع فيه المحطة الأولى من السرد الروائي العربي،ورصد فيه الحضور المشهدي للتوصيفات الطعامية،وما تعبّر عنه من دلالات ومقاصد تتّصل بثلاثة أنساق كبرى هي: الطعام هوية،والطعام رسالة،والطعام سلاح.وقد اعتمد،في سبيل ذلك، نمذجة للعمل تتكوّن من ست روايات، تمثل أربعة فضاءات عربية؛فمن مصر تناول “بين القصرين” لنجيب محفوظ، و”الإفطار الأخير” لهشام شعبان.ومن المغرب “بعيدا من الضوضاء،قريبا من السكات” لمحمد برادة، و”جيران أبي العباس” لأحمد التوفيق، ومن سوريا “المهزومون” لهاني الراهب. ومن تونس “الطلياني” لشكري المبخوت.

 

أما الفصل الثالث، المعنون بـ “الرواية العربية والطعام التضفيري”، فقد خصصه للمحطة الثانية من السرد الروائي العربي، حيث “تعاظم الاهتمام بالمكون الطعامي، فغدا موضوعا يضفّر السرد والوصف والشخصيات والفضاء واللغة”؛وحدّد متن الاشتغال في ثلاثة نصوص روائية تفرّدت داخل هذا الانتقال الكمي والنوعي،وهي: “كُحل وحَبَّهان” للمصري عمر طاهر، و”برتقال مرّ” للبنانية بسمة الخطيب،و”خبز على طاولة الخال ميلاد”لليبي محمد النعّاس.

الطعام ..هوية وسلاح

كتب العوادي،في خاتمة كتابه،أنه على الرغم من الاشتغال الطعامي التجزيئي الذي حكم الروايات، موضوع التناول،إلا أنه كان اشتغالا نوعيا،رصد خلاله ثلاثة أنساق كبرى هي:نسق الطعام هوية،حيث أسهم الطعام في تشكيل المعمار الهوياتي للشخصيات، مرمِّما الهوية الوطنية كما في رواية أحمد التوفيق، أو مشكِّلا لهويات فردية تقابلية كما في رواية نجيب محفوظ.ونسق الطعام رسالة،حيث بدت أطباق الطعام متضمِّنة لرسالة مبطَّنة،فكانت رسالته في رواية هاني الراهب رسالة حبّ من عاشقة إلى معشوقها،وكانت في رواية محمد برادة رسالة مواجهَة للآخر الأجنبي.أما النسق الثالث،فقد حوّل الطعام إلى سلاح،حيث تحوّلت وجبة الإفطار في رواية هشام شعبان إلى سلاح لكسب الانتخابات،فيما تحوّل طبق الكسكسي في رواية شكري المبخوت إلى سلاح انتقام.

حب للطهي وطهي للحب

في فصل “الرواية العربية والطعام التضفيري”،كان الموعد مع محطة روائية ثانية، جعلت من “الطعام عنصرا محوريا يدخل في علاقات تضفيرية مع مكوّنات الخطاب الروائي وصفا وحوارا وسردا وشخصيات ولغة”،من خلال عيّنة نصية تألّفت من ثلاث روايات، بداية من رواية “كحل وحبّهان” للمصري عمر طاهر،الذي “بناها على شخصية المتذوِّق، فحلّل الرواية،من خلال نصها الموازي المشبع بالدلالات البلاغية،ومن خلال متنها الذي تراوح بين الحياة الطعامية للشخصيات، واعتبار الأطعمة والأشربة كائنات حية. وفي الحالين معا، تعامل الروائي مع حقل الطعام عبر رؤية تزاوج بين المكوّنات المادية والقيم الرمزية”.

وفي “برتقال مرّ”، بَنتْ اللبنانية بسمة الخطيب روايتها على “شخصية الطاهية التي تطهو لحبيبها المنتظَر أكلات تقليدية،مع ما تخلّل عملية الطهي من سرد لأحداث ماضية وحاضرة، ومن تعبير عن لواعج الحب والعشق”. فيما كشف التحليل عن “التصاديات التناصية بين هذه الرواية ورواية “كالماء للشوكولاتة” للاورا إسكيبيل، وتأثير ذلك في البناء السردي العام، وصولا إلى استجلاء الأبعاد الجمالية والمضمونية للرواية عبر مقاربة انتقلت من “حب للطهي” إلى “طهي للحبّ””.

وختم العوادي الفصل بتفكيك رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” لليبي محمد النعّاس، التي “بُنيت على شخصية الخباز، فاتّبع المسار الذي مرّت به فتنة العجين من الأب إلى الابن”، كما وقف عند ثنائيتَيْ “الخبّاز والعجين” و”الخميرة والملح” باعتبارهما مدخلين للقراءة العميقة للشخصية والعالم الروائي ككل.

كرم وتآزر

تأسيسا على ما مضى، يخلص البحث إلى نتائج متنوّعة، بينها، أولا “أهمية البحث الثيماتي في نقد الرواية العربية، لانفراده بخاصية تعقّب اشتغال تيمة محدّدة على المستويين البنيوي والوظيفي؛ وهو ما من شأنه أن يخلّص النقد الروائي من التعميم والتلفيق”، وثانيا “قيمة انفتاح النقد الروائي العربي على المستجدات البحثية في ميداني الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، علما أن هذه الدراسة قد كشفت عن وجود معطيات معرفية مهمة تنتمي إلى ذينك الميدانين في بعض الروايات التي اشتغلت بها”، وثالثا “ضرورة انكباب النقد على تجلية التوظيف الطعامي في الخطاب الروائي، وتجاوز تلك الرؤية التبخيسية؛ لأن الطعام يتجاوز في الرواية بعده البيولوجي البطني لملامسة أبعاد اجتماعية وثقافية وسياسية. بل إنه يمكن أن يكون مدخلا قرائيا منتِجا لعدد من الروايات العربية”، ورابعا “استفادة “الرواية الطعامية العربية”، بنِسب متفاوتة، من السرد العربي القديم الذي عُني عناية بارزة بحقل الطعام”. ولم يفت العوادي أن يعبر، في هذا الصدد، عن أمله في “أن تُوسّع هذه الرواية بعض المفاهيم التي تنتمي إلى الحقل الطعامي التراثي، مثل مفهوم التطفّل الذي يمكن أن يتّسع للتعبير عن مظاهر تطفّل شامل نعيشه اليوم كتطفّل الميديا وتطفّل الأشخاص على الحياة الفردية، مما أصبح يهدّد راحتنا ووجودنا. وكذلك يمكن توسيع مفهوم البخل للتعبير عن بخل المشاعر وقيم التعاون، مما يضعف إنسانيتنا وتماسكنا”. وقياسا على كلّ ذلك، يضيف العوادي، يمكن “توسيع مفهوم الكرم للدلالة على مطلق التآزر الذي تحتاجه الإنسانية في سياقها الحالي المليء بأزمات الفقر والأوبئة”.

في خامس ملاحظاته، سيتحدث العوادي عن “تطوّر الحضور الطعامي في الرواية العربية، بتأثير من نظيرتها الغربية”. وهو الحضور الذي عرف “انتقالا من “المحطة المشهدية” إلى “المحطة التضفيرية””، بيد أن بعض الروايات المنتمية إلى المحطة الثانية “وقعت في استنساخ النماذج الروائية الأجنبية، أو في تسطيح الشخصيات”.

من الكتاب

مما نقرأ في “مطبخ الرواية”، تحت عنوان “رواية “ذائقة طعام هتلر” لروزيك بوستورينو: كأنه العشاء الأخير”، عبر عنوانين فرعيين: “الفوهرر محتاج إليك” و”أكل يحبس الأنفاس”: “تسرح الذاكرة بِروزا إلى زمن طفولتها لتقبض على ما كانت تقول لها أمها في حقيقة الأكل: “إن الإنسان يأكل لكي يقاوم الموت”، ولكن ماذا عنها هي التي ستأكل لتقابل الموت؟! وتتذكّر أيضا شيئا آخر عن أمها، فتقول: “كانت تعقد شريطا حول وزرتي وتنصحني بالحذر من الاختناق في مطعم المدرسة. ذلك أنني كنت أتحدّت طوال الوقت في المنزل، حتى لمّا يكون فمي ممتلئا. كانت تقول لي: يا لك من ثرثارة! فأضحك حتى أختنق من نبرتها الحزينة ومبادئها التربوية القائمة على تخويفي من الموت اختناقا، كما لو أن حركة نأتيها تهدّدنا بالهلاك: الحياة في نظرها محفوفة بالمخاطر، والعالم مَصيدة كبيرة”. ويبدو أن الأم كانت على حق حين عبّرت عن خوفها من أن تموت روزا وهي تأكل، وكذلك حين كانت تعتقد أن الحياة لا يؤمن جانبها،فهي مليئة بالمصائب والمصايد.

وإذا تجاوزنا الذكرى،ووصلنا إلى أول لقاء واقعي لروزا وصديقاتها مع الطعام المحفوف بالقتل، فسنجد أن هذا اللقاء كان محاطا بالجوع والخوف.تقول روزا : “كنا نتضوّر جوعا رغم أن الساعة لم تُجاوز الحادية عشرة، ليس بسبب جو الريف ولا بسبب السفر بالحافلة. مردّ هذا الثقب الذي نشعر به في مِعَدِنا هو الخوف. مضت سنوات ونحن نعاني من الجوع والخوف”. وكان لرائحة الطعام دور في انتصار الجوع على الخوف: “ولمّا نفذت رائحة الطعام إلى خياشيمنا، شرع الدم ينبض في صدوغنا، واللعاب يجري في أفواهنا. نظرت إلى الفتاة ذات الوجنتين المحمرّتين، فلاحظت أن شهيتها للطعام لا تقلّ عن شهيّتي […] كانت شهيتنا للطعام بادية في عيوننا وأفواهنا المفتوحة وأنفاسنا المتسارعة”.

وكان لهذه الرائحة الفخمة دور في نسيان الموت المندسّ في الطعام، وتحفيز على الأكل دون تفكير في أي مصير بائس محتمل. ولذلك تقول روزا عن الطعام المقدّم لها: “كانت الفاصوليا الخضراء الموضوعة أمامي مزيّنة بقطعة زبدة،زبدة لم أذق طعمها منذ زواجي.ودغدغت رائحة الفلفل المشوي الذي يملأ صحني أنفي،فلم أستطع تحويل بصري عنه”.وعندما تلقّتْ التعليمة العسكرية:”كُلْنَ!”،وإن لم تأت مشفوعة بتمني الشهية الطيبة على العادة، فقد ودّتْ روزا، كما قالت، “لو أقوم فأشكرهم وأعتذر”.

وانطلقت عملية الأكل في تناس تام لأي خوف ممكن،ملتزمة بالقوانين الصارمة التي تفرض تقسيم المتذوقات إلى مجموعات،كل مجموعة تتناول طعاما مختلفا عن الأخرى، وإن كان الطعام نباتيا فقط؛ لأن هذا هو اختيار الزعيم، ولا بُدّ من أكل الطعام كاملا في الوجبات الثلاث الواجبة، والانتظار لمدة ساعة بعد الأكل للتحقق من وجود السمّ أو خلّوه. وبدأ أكل الطبق الأول محتشما وانتهى جادّا: “في البداية كنا نتناول لُقَيمات كما لو أننا لسنا مجبرات على التهام كل ما أمامنا، كما لو أننا نستطيع أن نرفض هذا الطعام، هذه الوجبة التي لم تحضّر من أجلنا، والتي فُرضت علينا بالصدفة. الصدفة وحدها هي التي شاءت أن تجعلنا جديرات بمقاسمته حياته اليومية. ثم ينزلق الطعام عبر الحُلقوم لكي يحط في هذا التجويف الذي هو المعدة. وبمقدار ما كان ذلك التجويف يمتلئ ويزدادا اتساعا، كُنّا نُحكم قبضاتنا على شوكاتنا. وقد كانت فطائر التفاح من اللذّة بحيث اغرورقت عيناي بالدموع، ورحت أملأ الملعقة أكثر فأكثر، وأبلع اللُّقَم تِباعا إلى أن اضطررت، على مرمى من غريماتي، إلى التراجع برأسي إلى الخلف والتقاط أنفاسي”.

وبعد أن امتلأت البطون طعاما، عاد الخوف مرّة أخرى ليأخذ مكان الجوع، فنادت امرأة وهي تتوجّع مغصا: “الطعام مسموم!”،فيما “فار القيء من فم ليني على الأرض، حتى إنه كاد يبلّل الحارس لو لم يتراجع”.وتبيّن فيما بعد أن “النسوة يمسكن ببطونهن، ليس ألما،بل من الشبع،وهو أمر لم يكنّ متعوّدات عليه”.أما روزا فكان لها إحساس مخالف عبّرت عنه تعبيرا عميقا يبرز علاقتها المتداخلة مع هتلر عبر وسيط طعامه: “كانت معدتي قد كفّت عن الغليان: أذعنتْ للاحتلال. امتصّ جسدي طعام الفوهرر، وصار بذلك يجري في دمي. لقد نجا هتلر، أما أنا فشعرت بالجوع من جديد”.

وعلى الرغم من أن الخوف من الطعام بدأ يضعف مع مرور الأسابيع، والانتهاء بسلام من ذلك الأكل اللذيذ، إلا أن مشاعر الحذر كانت ملازمة لكل لقمة تؤكل، مثلما تقول روزا: “كان وقع أحذية الحرّاس يفرض إيقاعه على الوجبة، ويذكّرنا بالعد العكسي لموتنا المحتمل. ما ألذ هذا الحساء! لكن،هل مذاق السمّ مر؟ كنت ألتهم الطعام وقلبي يوشك أن يتوقّف”. إنه صراع حقيقي بين حاجة بيولوجية للمعدة وارتياب واقعي للقلب.

وظلّ هذا الأكل القدري ترافقه أحاسيس متباينة، ففي لحظات فقدان الأمل تتمنى روزا بأن تكون هذه المرّة محظوظة،فيكون الطعام مدسوسا بالسمّ،لتنطفئ حياتها إلى الأبد.تقول: “تمنّيت لو كان الطعام مسموما. لو آكل منه لُقمة وأودّع الحياة دون أن أتحمّل مشقّة قتل نفسي،ودون أن أتحمّل تلك المسؤولية. لكن الطعام كان سليما، وظللت على قيد الحياة”.وفي لحظات الانهيار النفسي ترى أن القدر كان عادلا حين جعلها إحدى متذوّقات طعام هتلر،حيث تقول:”لا أستحقّ إلّا ما أفعل:الأكل من أجل ألمانيا،لا لأنني أحبّها،ولا حتى لأنني خائفة. آكل طعام هتلر لأن هذا ما أستحقّه”.وقد تتقبّل النساء هذا الطعام،فتعاملنه بمزاح وسخرية؛فقد “يكون العبث علاجا أحيانا”، مثلما تلفظت إلفريد ذات مرّة في وجه صديقاتها:”على ذكر السم،إنه جاهز.شهية طيبة سيّداتي. نتمنى كالعادة ألا تكون آخر وجبة نلتهمها”.

رابط المقال

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top