الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

الحكي المضغوط

الحكي المضغوط

ورشة في فنيات كتابة القصة القصيرة

 

تقرير الطالب: محمد الزاهر

 

نظم المتحف الرقمي للمعهد الفرنسي بمراكش مساء يوم السبت 2 أبريل 2022 لقاء علميا، استضاف فيه الدكتور سعيد العوادي، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بمراكش. الذي ناقش فيو موضوعاً يدخل ضمن المجال الإبداعي عنوانه: الحكي المضغوط ورشة في فنيات كتابة القصة القصيرة جدا

وافتتحت هذه الورشة بكلمة للسيدة المسيرة التابعة للمتحف “مريم بنمحمد” معرفة بالأستاذ سعيد العوادي مع أحلى عبارات الشكر والتقدير، ليأخذ بدوره الكلمة، ملقيا التحية والشكر لكل من حضر، من أساتذة وطلبة ومسيرين

وغالبا ما تتميز جل الورشات بقواعد وضوابط يجب الالتزام بها، قد تبدو في بادئ الأمر أشياء بسيطة ومعروفة، وذلك تماشيا مع مخططات اللقاء، وفي البداية طرح الأستاذ العوادي سؤالا غريبا شيئا ما: هل يمكن الكتابة بالفأس؟ والمعروف أن الكتابة تكون بالقلم لا الفأس، وهذا يعد مجازاً في مجمله، وحاول الأستاذ العوادي تقديم رأيه في هذا قائلا: “في بداية الأمر تبقى مسألة صعبة تحيط بها مجموعة من الإيحاءات” يقول الكاتب المكسيكي خوان رولفو: “القصة القصيرة جداً هي ضربات فأس هنا وهناك، وعمليات مراجعة وحذف، وإضافة وطرح وجمع، والقصة من هذا النوع لها فرصة واحدة في الزمان والمكان، وحظها يتقرر في الحين مباشرة بعد مرحلتين: مرحلة كتابتها وقراءتها. فأي طلب أو تعديل أو إضافة أو وصية لاحقة أو تنميق أسلوبي لا جدوى منه

وشرع في تحليل ما جاء به الكاتب المكسيكي معتبرا ما قاله في حق القصة القصيرة مجانبا للصواب، ويبقى السؤال: ما المقصود بضربات فأس؟ وما الفرق بين الفأس والقلم؟

هي أجوبة كثيرة، وكثيرا ما يقال بأنها عمليات حفر، وهذه الضربات حسب الأستاذ العوادي
ضربات قوية ومضبوطة؛ حيث أن الكتابة أولا تقوم على الهدم، ثم يتبعها بعد ذلك البناء لتشكل لنا بصمة جديدة تسمى الإبداع. وحسب رأي الجمهور: الفأس هو الذاكرة أيضا” الضربات هي عملية من عمليات الفأس، وهي ضربات قد تكون موجعة بلا شك

حاول الأستاذ العوادي جمع كل هذا في كلم واحد، وهو يقول على لسانه: ” ونحن في آخر المطاف أمام كتابة من نوع خاص، فهذه الكتابة تحاول أن لا تكون كتابة عادية، بسيطة، فكتابة القصة القصيرة جدا هي غوص في المعاني الفريدة وضبطها، كما يفعل الفأس عندما يحاول أن يضرب، فهو يضرب بدقة وقوة، وعادة ما يساعد الفأس الفلاح في عملية التهذيب في كل ما هو ضار، فالفأس مثل المحراث، كل ما هو ضار يقوم بإزالته

ويضيف أيضاً أن هناك تسميات كثيرة تدل على هذا المعنى، فيعتبر القصة القصيرة ” لكمة” فهنا يذهب بنا إلى أشياء عنيفة، معتبراً أن الكتابة عنف، فالذات تنزف، تسهر عندما تكتب، وكل هذه الآلام تعطي أمل أحلام الكتابة فيما بعد، يقول: ” الكتابة ليست عملا مجانيا، الكتابة فيها نوع من الصعوبة

وينتقل بعد ذلك للحديث عن اللغة التي تحتويها القصة، معتبراً إياها بمثابة أرض، بمثابة حقل، وأن هذه الضربات تمارس على هذا الحقل من أجل هدف هو (الإنتاج). وقد تطرق في محاضرته إلى الحديث عن مصطلحات أساسيين وهما: السياق والمصطلح

ويأتي السؤال التالي

بماذا تمتاز القصة القصيرة جداً؟ أي كيف نحولها إلى لغة علمية مضبوطة؟ أو بعبارة أخرى: عند الحديث عن السياق الذي وجد فيه هذا النوع من القصة، مبينا أن هناك مفارقة، فهي قصة مضغوطة لكن تسميتها أكبر منها، معتبراً بذلك وجود مشاكل تقدمها هذه التسمية  (القصة القصيرة جداً) من خلال ضربات الفأس، فهي مضغوطة جداً وتسميتها طويلة جداً، وفي سياق القصة تسمى الكتابة بكتابة الإيجاز، التكثيف الشديد جداً؛ أي أنها ليست وليدة الآن

القصة حسب الأستاذ سعيد العوادي لها جانب تمتاز به عن باقي الأجناس الأخرى، وهي الطبيعة القصصية؛ أي لا بد أن تكون هناك قصة، لا بد أن يكون هناك حكي، في حين أن المثل قد لا نجد فيه حكي، أما الحكمة قد تكون فكرة مجردة، لكن مضغوطة جداً؛ أي ليس فيها حركية؛ لأن السرد يعطي للنص حركة إلى الأمام، والقصة القصيرة أصبحت حديث اليوم؛ لأنها تلائم العصر، وأعطى مثالا بموقع” تويتر”؛ بحيث عندما نحاول كتابة شيء ما فإننا أمام حيز ضيق تتحدد عدد الحروف فيه بما يقارب 130 حرفا.

كما يعتبر بأن القصة القصيرة تشبه إلى حد ما أكلة ” السندويتش” “الأدبي، وهو يشبه في الشعر قصائد “الهايكو” اليابانية باعتبارها قصائد مختصرة، ومركزة جداً، وهذا ما يسمى بـ عصر السرعة وبعد الحديث عن السياق، جاء الدور على مفهوم المصطلح: وللمصطلح تسميات عديدة،
لكن في الجانب القصصي له مصطلح خاص. وهو ما يعرف بـ “الققج ”  (القصة ــ القصيرة ــ جداً)  وهذا ما يسمى بالنحت، وهناك من يسميها بالأقصوصة، الكسولة…، وكل تلك التسميات تدل على أن هناك شيئا قصيرا

وهذه أبرز مكونات القصة القصيرة

مكونات القصة القصيرة

المكون السردي: وهو مكون أساسي (السردية( بمعنى القصصية، أي لابد أن تكون قصة

التكثيف:  قال إنه نوعان: كمي، ونوعي، على مستوى الكم: فأصغر قصة تتكون من ثلاثة كلمات، هذا يعني أن التكثيف بمثابة ضغط شديد جداً على اللغة حتى يتمكن اختصارها، وبالتالي تحولها إلى أي شيء تريده، كما يجب أن لا يكون هناك حشو أو زيادة، لذا فالكاتب يجب أن يتوفر على مقص، للقضاء على أي حشو وأي زيادة تكون سبب في خلل النص.

هذا من الناحية الكمية، أما من الجانب النوعي، فالقصة والحكاية قد تكون فيهما تفريعات، عكس الرواية التي ينصب اهتمامها فقط بذكر التفاصيل وهي قيمة من قيمها، لكن القصة في كتابتها تترك أثرا يفرق بين الجزء القصير المركز عليه وبقايا القصة وعناصرها.

يقول: “إن القصة القصيرة تشبه “جبل الجليد”، يعني أننا عندما ننظر إليه في شكله يظهر لنا
الجزء القصير منه فقط )العلوي(، لكن عندما نحاول الاقتراب منه يتضح لنا الأصل كما هو الشأن بالنسبة للقصة، وهذه هي القصة القصيرة جدا الجيدة. بمعنى آخر: ” لا يجب الاقتصار على نصف الكلام، بل يجب ذكر كل شيء بأقل شيء.”

المفارقة: هي بمثابة صراع، أي بين المواقف، والشخصيات، والاحداث، والأزمنة، والأمكنة مما يعطي قوة تولد انفجارا، وهذا الانفجار هو قلب القصة القصيرة جدا.

التناصية: في هذا الصدد طرح سؤالا: ما الشيء الذي يقدمه التناص للنص القصير؟ بتعبير آخر ما الفائدة التي يقدمها التناص للنص القصير؟

إن التناص في بعض الأحيان يأتي بغموض غير محمود، لذا يجب التعامل مع نصوص يعرفها
الناس. وهنا يفرق بين الكاتب الذكي والكاتب العادي، فالكاتب الذكي دائما ما يجعلنا في بداية الطريق، فيما الكاتب العادي يكون على خلافه أو عكسه.

وشرع الدكتور العوادي في تقديم مجموعة من النماذج القصصية القصيرة جدا، تعد من ألذ
النصوص، بالرغم من قصرها إلا أنها في الوقت نفسه غامضة، منها:

النموذج 1: وهو نص “إرنست هيمنغواي” الكاتب المشهور، له رواية مشهورة بعنوان العجوز والبحر

” للبيع، حذاء لطفل، لم يلبس قط”

إرنست هيمنغواي

وقد عبر عن هذه القصة القصيرة جدا بأنها أعظم وأقصر نص كتبه في حياته، ومن خلال التأمل يوحي بأن هناك شيء من الألم بالرغم من حجمه، لكن في طياته الكثير من المعاني. فالكاتب وهو يحاول وضع نصه هذا ترك معاني كثيرة؛ بحيث يطمح لأن يجعل المتلقي في نافذة قصيرة من خلاله يكمن رؤية العالم، فهو لا يقدم المشهد بعينه، وإن كان كذلك فالنص لا معنى ولا قيمة له، وهنا تكمن حلاوة القصة القصيرة جداً

النموذج 2

الخوف

” ذات صباح أهدونا أرنبا هنديا، وصل إلى بيتنا في قفصه، فتجت له باب القفص عند الظهر، عدت إلى البيت في المساء، فوجدته كما تركته داخل القفص ملتصقا بالقضبان، وهو يرتعش من شدة فزعه من الحرية “

إلواردو غليانو

 يعد العنوان أهم عنصر في كل قصة، وانطلاقاً من العنوان يفهم النص، والكاتب في نصه لا يهمه الأرنب الهندي، فالإنسان هنا هو الأرنب الحقيقي، أي ذاك الإنسان الذي خاف من الحرية، وهنا تظهر المفارقة،

وهذا النص يخرج من عالم الحيوان، وبالتالي تظهر قوة أخرى، كما هو الشأن في كليلة ودمنة التي تدور أحداثها في عالم الحيوان لكن المقصود في الآن نفسه الإنسان، كما وضح الفرق بين المعنى اللغوي والمعنى الثقافي، وذلك من خلال ربطه الإنسان بالحيوان، فكل له رمزه حسب مكانته، وهذه القصة فيها من التحليل الكثير،

النموذج 3: عبد الله المتقي (الكرسي الأزرق)

فوطوكوبي

“أمه تقبع في ركن من أركان الغرفة، تخيط بالإبرة محفظته الجلدية، أخته تلعب بدمية مبتورة الذراعين، نظرا إلى تقاسيمه في المرآة: كان صورة منهما، فقيرا، هزيلا، شاحبا… جائعا”

عبد الله المتقي- الكرسي الأزرق

ما علاقة العنوان بالقصة؟

ونحن عندما نتأمل كلمة فوطوكوبي يتبادر إلى أذهاننا مطبعة أو وراقة؛ أي الجانب التقني لكن عندما نتأمل النص يظهر لنا الفوطوكوبي الحقيقي، وهو فوطوكوبي ثقافي اجتماعي. ويبدوا العنوان معقداً شيئا ما لكن النص يوضحه، ويظهر خباياه، ثم إن علامة التقييم في القصة القصيرة جداً تلعب دورا مهما، ووجودها ليس اعتباطيا بل توحي إلى شيء كثير لم يستطع المتكلم ذكره مكتفيا بوضع علامة ترقيم تدل على أن هناك الكثير من الكلام مختبئ داخل نسق هذه القصة ثم اختصاره.

.النموذج4:  للدكتور سعيد العوادي وهذا النص ينتمي للمجموعة القصصية “جمارك روما

إرهاب

“امتلأ قلبه إيمانا…. فتفجر وسط الحشود”

سعيد العوادي – جمارك روما

كما شاركا نموذجا آخر  من نفس الأضمومة

حفار القبور

“غمرته فرحة عارمة حين أطلت عليه جنازة في موكب مهيب”

وختم اللقاء بنص ل ” محمد زهير” وهو عبارة عن تعريف للقصة القصيرة جداً، يقول: “القصة القصيرة جدا عصفورة صغيرة شاردة، فراشة لعوب، ومض يلامس العمق كالروح” والجميل في الختام تم تخصيص جزء من الوقت لإعطاء فرصة لجميع الحاضرين من أجل الإبداع والابتكار لإنتاج قصص قصيرة جدا، وهذه بعض منها

كان كل أملها أن تلتقي به، جاء ولكن في نعش

ماء، غاض ماء العين ففاض ماء القلب، سقوط …. فهوى

متعب، ألقي بأعبائه على الرصيف، أدخل يده في جيبه، أمسك الفراغ، رحلت الحافة

كلما ذهبت، إلى عرس وجدتني غائبة بين الحضور

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top