الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

البحث عن مفاهيم بلاغية جديدة

البحث عن مفاهيم بلاغية جديدة

 

ابتعد البلاغيون الجدد عن الاشتغال على المفاهيم والمصطلحات البلاغية القديمة، حتى وإن استعملوا تسمياتها في كتاباتهم، كالاستعارة والتشبيه والكناية والمجاز، وغير ذلك من المفاهيم، وقدّموا طروحاتهم من خلال المُخاطَب وليس المتكلم، وربما أوائل من اشتغل على «بلاغة المخاطب» الكاتب المصري الدكتور عماد عبد اللطيف في بحوث كثيرة، ليرفد هذا المصطلح ببلاغات أخرى، مثل بلاغة الحرية وبلاغة التصفيق وغيرهما.
جاءت كتابات عبد اللطيف هذه وغيره من البلاغيين بعد شهرة كتاب «الاستعارات التي نحيا بها» لجورج لايكوف ومارك جونسن اللذين قدّما مفاهيم جديد عن الاستعارة، وأدخلاها في اليومي والشعبي بدلاً من الاستعارة البليغة، وقد بدأ بلاغيون عرب بتضمين هذه المفاهيم أطرا جديدة، فأنجز قبل مدة البلاغيان؛ العراقي الدكتور صلاح حسن حاوي، والمغربي الدكتور عبد الوهاب صدّيقي كتابهما «بلاغة الجمهور… مفاهيم وتطبيقات» بمشاركة أربعة عشر باحثاً عربياً، ليأتي الآن كتاب «البلاغة الثائرة… خطاب الربيع العربي: عناصر التشكُّل ووسائل التأثير» ليكون متمماً لمشروع عماد عبد اللطيف وبلاغة الجمهور، وهذا الكتاب الجديد مهدى بالأصل إلى عبد اللطيف لما قدّمه من مشروع جديد على البلاغة العربية.
الكتاب الذي حرّره الدكتور سعيد العوادي، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب، يشير إلى أن فكرته انبنت على ضرورة حضارية فرضها الحراك الشعبي الذي عرفه الشارع العربي في بقاع كثيرة ومختلفة من الوطن العربي، إذ خرجت الجموع الغاضبة مطالبة بالحقوق المهضومة والمؤجلة. فكان من نتائج ذلك الإطاحة بأنظمة ديكتاتورية جثمت على صدور مواطنيها ردحاً من الزمن.
ضمَّ الكتاب ستة عشر بحثاً اهتمت بالخطابات الكلامية والشعارات التي رفعها المواطنون في ساحات التحرير والصورة والكاريكاتير وغيرها الكثير من الموضوعات: «بلاغة الجمهور ودراسة الخطاب السياسي» د. عماد عبد اللطيف، «هوية الربيع العربي: تحليل دلالة المتلازم اللفظي» د. هبة عبد الرحيم إبراهيم القاضي، «أَهُوَ مَاي 1968 بِالعَرَبِي؟» ريشار جاكمون، «بلاغة الشارع ومعجم ألفاظ الربيع العربي» د. غسان اسماعيل عبد الخالق، «الربيع العربي وصناعة الأسماء للأحداث الجارية» د. فاطمة أحمد كامل، «الدلالات الأسلوبية في شعارات الربيع العربي» د. خليل عودة، «شِعَاراتُ الرَّبِيع العَربِيِّ» د. زكريا الراشدي، «شعارات ما بعد الربيع العربي في تونس ومصر» د. منال جمال محمود، «القصدية والمقبولية في خطاب الانكسار السياسي» د. هدى عبد الغني إبراهيم باز، «بلاغة الجمهور والنكتة السياسية» د. مصطفى عطية جمعة، «آليات المغالطة في الخطاب الديني الفضائي إبان الربيع العربي» د. عبد الوهاب صديقي، «دور الصورة في إنتاج الخطاب- الربيع العربي نموذجًا» د. عماد بسام غنوم، «ثورات الربيع العربي في صورة الكاريكاتير» د. عمر عتيق، «كاريكاتير الربيع العربي» د. إبراهيم ايت المكي، «سيمياء الكاريكاتير وفاعليته في الحراك الثوري» عجيمي الغالية، و»الكاريكاتير صورة أبلغ تأثيراً» د. لطيفة آل دليل.
حاول كل بحث من هذه البحوث الاشتغال على جزئية محددة من خطابات الربيع العربي، بين مصر وتونس وغيرها من الدول العربية، وفي البحث الأول الذي نشر في الكتاب، سعى الدكتور عماد عبد اللطيف لتوضيح مفاهيم أساسية في بلاغة الجمهور والربيع العربي، قائلاً: اتسمت حركات الربيع العربي بخصائص عدّة متفردة؛ فقد قدّم الربيع العربي سلسلة الحركات الأكثر انتشارا في العالم العربي، إذ لم تكد تخلو دولة عربية من مظهر أو آخر من مظاهر الاحتجاج؛ ممثلاً في مظاهرات، وتجمعات، ومسيرات، وحشود، واعتصامات، وإضرابات، وغيرها من فعاليات احتجاجية. بالطبع، هناك تفاوت هائل في مدى انتشار هذه الاحتجاجات، وتجلياتها؛ ومظاهرها؛ وخاصة بين الدول التي يمكن أن نطلق عليها دول قلب الربيع العربي؛ أعني تونس، ومصر، وسوريا، واليمن، وليبيا، والبحرين، وبقية الدول العربية الأخرى التي عايشت تجربة الاحتجاج بوجوه ودرجات مختلفة.
ويضيف: اقترن هذا التأثير الكبير لخطابات الربيع العربي بسمة أخرى تميزه عن غيره من الحركات الاجتماعية والسياسية العربية على مدار التاريخ؛ أعني تنوع الوسائط المستعملة في إنتاج خطاباته، وتداولها، وتوزيعها. فبالإضافة إلى الوسائط التقليدية، مثل التواصل المباشر، والمطبوعات المقروءة، والإذاعات المسموعة والمرئية، شهد الربيع العربي تدشين الفضاءات الافتراضية بوصفها فضاءات تواصل سياسي، تُنتج فيها الاحتجاجات السياسية، والأفعال السياسية أيضًا. وقد وصل تأثير هذه الفضاءات إلى درجة اختزال الربيع العربي فيها؛ كما يتجلى في تعبيرات مثل «ثورات الفيسبوك»، أو «الربيع الرقمي». ولقد كان لِعِظَم تأثير قوى الخطاب في الربيع العربي تأثيرات واسعة على حالة البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي. فقد طُرحتْ موضوعات وقضايا لا حصر لها على طاولة البحث العلمي، تعالج أبعادًا متنوعة من ظواهر التواصل السياسي في الفضاءات العمومية العربية. وكان نصيب الباحثين في تحليل الخطاب، والبلاغة السياسية، واللسانيات السياسية، والإعلام السياسي وغيرها من الحقول المعرفية كبيرا. فقد وجد الباحثون في هذه الحقول المعرفية أنفسهم أمام طوفان من البيانات، والأسئلة المعرفية التي تحتاج إلى معالجة، واستكشاف. جُلُّ هذه البيانات لم يكن يخضع بشكل منظم للدراسة الأكاديمية من قبل محللي الخطاب العرب؛ مثل الغرافيتي، واللافتات، واللقاءات التلفزيونية، والبرومو، والمناظرات الانتخابية، وتعليقات اليوتيوب، وغيرها. كما أن معظم الأسئلة المطروحة كانت، بشكل أو آخر، طازجة، سواء في نوعها، أو في السياق الذي تُطرح فيه؛ مثل التساؤل بشأن أثر الخطاب السياسي في تشكيل الحشود، وتوجيهها، وجماليات تداول الخطاب السياسي في الفضاءات المكانية المفتوحة، ودور الحشود الخفية المنظمة في إنتاج الخطاب السياسي على نحو ما يظهر في الكتائب (أو الجيوش) الإلكترونية، وغيرها.
من جانبه، يتحدّث الدكتور غسان اسماعيل عبد الخالق في بحثه «بلاغة الشارع ومعجم ألفاظ الربيع العربي»، مبيناً أن الفعل البشري العربي تطابق مع اللفظ العربي، لأول مرة منذ مئات السنين، في ساحات التظاهر، أدى إلى إنهاء تلك القطيعة بين الاسم والمسمّى وبين الدال والمدلول، فأدرك الإنسان العربي على سبيل المثال: المقصود بكلمة (الشَّعب) على أرض الواقع، بالصّوت والصّورة، وليس من خلال صفحات القاموس الذي تحوّل إلى مقبرة للكلمات بدلاً من أن يكون معرضاً نابضاً بصور التطوّر والتغير والتجديد، كما هو حال قواميس المجتمعات المتقدمة. كما أدرك المقصود بكلمة (التَّراجم) وكلمة (المكان)، فصارت شخوص وسِيَر محمد البوعزيزي وخالد سعيد وحمزة الخطيب رموزًا وتمائم للجيل الجديد من الشباب العربي الملتزم المثقف، وصارت ميادين التحرير والتغيير في تونس القاهرة وصنعاء رموز الطلل العربي الجديد العامر بوقفات الناس وأناشيدهم وهتافاتهم.
ويكمل عبد الخالق حديثه، موضحاً أننا لو جرّبنا إخضاع الشعارات/ الألفاظ/ المفردات التي رصدناها ووثقناها آنفًا بوصفها مدخلاً تطبيقيًا لمعجم مقترح للبلاغة أو الثقافة الجديدة التي أفرزها الشارع العربي في ذروة عنفوانه، لأمكننا الخلوص إلى ما يلي: أولاً: إظهار الرغبة العارمة بإزاحة الأب أو الصَّنم البلاغي؛ ففي ظل حالة التماهي التام بين شخصية الحاكم وهوية الحكم، إلى درجة أنهما أصبحا وجهين لمضمون واحد يتمركز حول قيم النظام الأبوي الذي يمارس حقه المطلق في الوصاية على أبنائه المخلصين من المواطنين، فيوجِّههم وينصحهم ويحذّرهم ويوبّخهم ويعاقبهم متى شاء وكيفما شاء، انطلق المكبوت الجمعي الرافض لهذه الهيمنة الشاملة على أدق تفاصيل حياته في صورة هتاف مكتمل الأركان: (الشعب يريد إسقاط النظام).. ثانياً: تطبيع العلاقة بين الفصيح والعامي؛ ففي ظل بلاغة أو ثقافة ما قبل الربيع العربي، لم يقتصر الخطاب الرسمي فقط على التمترس خلف السلطات التاريخية والأيديولوجية الثاوية في اللغة الفصيحة، بل نافسه في هذا التمترس أيضًا الخطاب غير الرسمي للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني بوصفها امتدادًا مباشرًا أو غير مباشر للأنظمة الرسمية. ثالثًا: استخدام اللفظ العربي إلى جانب غير العربي؛ إذ فيما حرص الخطابان العربيان، الرسمي وغير الرسمي، على استبعاد الألفاظ غير العربية، بقطع النظر عن مدى التعاطي بها ومعها يوميًا وواقعيًا، فقد فعّلت بلاغة الشارع العربي، عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، استخدام ألفاظ عربية مثل (ارحل، وقفة) إلى جانب ألفاظ غير عربية مثل (فيسبوك، أيقونة)!.. رابعًا: تداخل المقدّس بغير المقدّس؛ فقد تجاوزت بلاغة الشارع العربي ما يقرب من 1500 سنة من الترافع الحاد بين الديني المقدّس والسياسي اليومي، وزجّت بهما في خضم الميادين، فصار من المعتاد الجمع بين (الله أكبر، الجمعة، الإسلاميون) و(الليبراليون، اليساريون، العلمانيون)!!.. خامسًا: تواصل المذكّر والمؤنث؛ ففيما هيمن الخطاب الذكوري على البلاغة أو الثقافة الرسمية العربية وظل الخطاب النسوي منزويًا في البلاغة أو الثقافة غير الرسمية العربية، فقد مالت بلاغة شارع الربيع العربي إلى المساواة بين حضور المرأة والرجل، ميدانيًا وتوثيقيًا، فبرزت توكّل كرمان ـ على سبيل المثال لا الحصر- جنبًا إلى جنب وائل غنيم ـ على سبيل المثال لا الحصر أيضًا ـ … سادسًا: تواصل الزماني والمكاني؛ ففيما هيمن التاريخي والزماني المطلق على الخطابين العربيين الرسمي وغير الرسمي قبل الربيع العربي لأسباب أيديولوجية- إلى درجة غياب أو تغييب ملامح المكان والجغرافيا.. سابعًا: اختطاف استعارات وألفاظ الخصم؛ فقد مال الشارع العربي إلى اختطاف واستدخال ما استخدمه الطغاة من استعارات أو ألفاظ، وأعاد إنتاجها من منظوره هو، عبر بعض الأغاني أو القصائد الشعبية الساخرة، حرصًا منه على إفراغها من مضمونها وإحكامًا لسيطرته الكاملة على خطاب الشارع.. ثامنًا: إحياء الاستعارات والكنايات النائمة؛ إذ بعد أن نامت كثير من الاستعارات والكنايات في دواوين الشعراء وبيانات الأحزاب، إذا بها تستوي على سوقها وتُبعث حيّة، فخرجت (ثورة الياسمين) ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ من حيز الاستعارة البلاغية الغافية في أحضان الشعر إلى حيز الاستخدام الواقعي والدلالة المباشرة على الربيع العربي… تاسعًا: تلاحم الطبقات والأجيال المنتجة لبلاغة الربيع العربي؛ فرغم ضرورة التذكير بمحورية الدور الذي اضطلع به أبناء الطبقة العربية المتوسطة بوجه عام، والدور الذي اضطلعت به فئة الشباب العرب بوجه خاص، إلا أننا لا نستطيع تجاهل حقيقة أن ميادين التحرير وساحات التغيير العربية، قد شهدت في ذروة الربيع العربي، تلاحمًا طبقيًا عز نظيره، حيث توافقت إرادات وحناجر الفلاحين والعمال والطلاب والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وغير قليل من الوزراء والنوّاب ورؤساء الأحزاب، لتصدح معًا بنشيد (الشعب يريد تغيير النظام).

صفاء ذياب

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top