الأستاذ الدكتور سعيد العوادي

نائب العميد في البحث العلمي والتعاون – أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية اللغة العربية بجامعة القاضي عياض- المغرب

البريد الإلكتروني

Balaghat.1976@gmail.com

استراتيجية التقابل في كتاب الطعام والكلام للدكتور سعيد العوادي

استراتيجية التقابل في كتاب الطعام والكلام للدكتور سعيد العوادي

 

صدر حديثاً، عن دار إفريقيا الشرق، كتاب الطعام والكلام حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي، للباحث الألمعي فضيلة الأستاذ الدكتور سعيد العوادي، وهو الكتاب المأدبة المطبوخ يحب وشغف على نار هادئة، والمقدم إلى القارئ الكريم في أربعة أطباق رئيسة مسبوقة بمفتحة، ومختومة بتحية؛ فالكتابة عند الباحث عملية طبخ تامة ومتكاملة الأركان المواد معرفية منتقاة بعناية، يتم تتبيلها بالمعطيات النظرية والتاريخية التي تذاق في أطباق الكتاب ولا تتزاحم على مائدته فلم يثقل الباحث كاهل القارئ بسرد المعارف البلاغية والسيكولوجية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية واللسانية المعرفية والدراسات الثقافية التي انفتح عليها شرقاً وغرباً، ليبقيها حبيسة مطبخه، وسراً لوصفته، بل توجه رأساً إلى مقاربة موضوع الطعام والكلام من زوايا أربع:

    1. حقل الطعام بين ضيافة الدنيا وضيافة الآخرة.
    2. جسور الطعام من الطعام البلاغي إلى الطعام البليغ.
    3. شعرية الطعام: القرى والمأكول والمشروب
    4. نثرية الطعام الموهوب والمنهوب والمرهوب

استراتيجية التقابل في كتاب الطعام والكلام للدكتور سعيد العوادي

وسنسلط الضوء في هذا المقال على إحدى الاستراتيجيات التي صمم بها الباحث كتابه ويتعلق الأمر باستراتيجية التقابل؛ إذ نلاحظ أن الباحث قد اشتغل في هذا الكتاب وفق هاته الاستراتيجية التي جسدتها مجموعة من الثنائيات من قبيل: الطعام / الكلام الدنيا / الآخرة، الحياة / الموت القرآن / السنة الجنة / النار الشواب / العقاب أكل / شرب التسييج/ الامتداد المساوئ المحاسن الحقيقة / المجاز الواقع / الأسطورة الكرم / البخل المساعد المعيق الشعر / النثر الموهوب / المرهوب، وغيرها كثير.

وستركز في هذا المقال على أربع ثنائيات فقط، نرى أنها كانت الدعائم الأساس لهذا الكتاب: وهي على التوالي الطعام الكلام الدنيا / الآخرة، الحقيقة / المجاز الشعر /النثر

 ثنائية (الطعام / الكلام) عنواناً وموضوعاً

تفطن الباحث إلى أن الطعام حامل لمكونات التاريخ الإنساني في شموليته، ففيه تتقاطع قضايا الهوية والغيرية ورؤية العالم وأنماط التواصل الرمزي والكلام وسيلة البشر في حفظ ذلك كله؛ فإن كان الطعام والهضم سبيلاً للإفناء والإبلاء، فإن الكلام والكتابة وسيلة للإيجاد والإبقاء. وعلى الرغم من التقابل الحاصل بين الحقلين فإنهما يلتقيان في فم الإنسان لتنبعث اللفظة إلى الخارج، وتستقر اللقمة في الداخل.

وقد صرح الباحث أن العلاقة بين الطعام والكلام علاقة خلافية، لكن هذا الخلاف هو مناط حياة الكائن الإنساني وسبب بقائه؛ لأن الطعام على حد تعبيره حصن الإنسان المادي ضد الجوع والمرض، والكلام سلاحه المحاربة

الوحدة وقهر الخواء.

ولأن التقاء النقيضين يشكل مصدراً لطاقة هائلة، فإن النقاء الطعام بالكلام قد فجر ينبوع الحياة الإنسانية بمختلف تجلياتها ومعانيها، ومثل معيناً لا ينضب بالنسبة للباحث في هذا الكتاب: ذلك أن الحضارة العربية التي وجه إليها الباحث اهتمامه تعد حضارة طعام وكلام بامتياز؛ فهي حضارة لسان بمعنييه التذوقي  واللغوي، فالكرم في عرف العرب لا يتحقق بما يقدم للضيف من صنوف المأكولات والمشروبات فحسب، وإنما بما يضاف إلى كل ذلك من طيب الكلام ومستملح الحديث.

وقد استلهم الباحث موضوع كتابه من تقسيم أبي يعقوب السكاكي (626-ه) للكرم عند العرب إلى قرى أشباح متصل بطعام الأجساد وإلى قرى أرواح متصل بالكلام بوصفه غذاء للعقول، كما استعان الباحث في هذا الكتاب ببلاغة الجاحظ (255) التي سبقت زمنها فلم يقتصر موضوعها على القرآن الكريم والشعر الجميل، بل انفتح على خطابات الحياة اليومية عند البخلاء واللصوص والباعة والشيوخ والنساء والأطفال، وكذا على منجز عبد القاهر الجرجاني (471هـ) الذي دقق سؤال البلاغة وحررها من الأحكام الانطباعية العامة موجها اهتمامه إلى بيان المزية وتقديم تعليلات تمزج بين الذوق والعلم باحثا في الدلائل والأسرار ثم إن الباحث لم يسيج مقاربته للطعام والكلام بالدراسات القديمة بل انفتح أيضاً على الدراسات الحديثة على ندرتها في العالم العربي فقد أشاد في مفتحة كتابه بكتاب الطعام والشراب في التراث العربي، للباحثة التونسية سهام الدبابي الميساوي التي عالجت موضوع الطعام من منظور أنثربولوجي واصفاً عملها بالرصين وكذا بكتاب قرابة الملح الهندسة الاجتماعية للطعام للباحث المغربي عبد الرحيم العطري الذي قارب الموضوع من منظور سوسيولوجي واصفاً كتابه بالمائع.

ويبدو أن أدب المأدبة قد وجد أخيراً من بلور شعريته، وأعد منه وليمة دسمة من أربعة أطباق هي قوام هذا الكتاب، أطباق اعتنت بإبراز العلاقة بين الطعام والكلام وفق منظور بلاغي ثقافي منفتح على مقاربات نسقية وسياقية، وتوفقت بل وتفوقت في تجلية معالم خطاب الطعام المتواشج بالكلام ضمن التراث العربي الضخم، والذي عادة ما يندس فيه هذا النوع من الخطاب ضمن خطابات أخرى، فيذوب فيها، كما يذوب الملح في المرق أو أنه قد يتجاور مع خطابات غير منسجمة معه فيلقى هذا على ذاك، مثلما يلقى الملح على السكر حسب تعبير توفيق الحكيم.

ثنائية (الدنيا / الآخرة): الطعام ورؤية العالم

ركز الباحث اهتمامه في الطبق الأول من هذا الكتاب على عقد مقابلة طعامية استجلي من خلالها رؤية الإنسان العربي للعالم وذلك عبر الانتقال بين عالمي الغيب والشهادة متخذاً من الطعام مطية للتجوال بين موائد الدنيا والآخرة. وبغرض الكشف عن مميزات ضيافة الدنيا اعتمد الباحث في مرحلة أولى المدخل المعجمي آلية لاستنباط دلالات الفعلين: أكل وشرب، بوصف الأول بوابة المأكولات والآخر بوابة المشروبات، ثم مضى يرصد رحلة الطعام، ومرافقته للإنسان في حياته وموته، مؤطراً سير بحثه بتسييجات رسمتها منظومة الآداب الجاهلية والإسلامية ليصل إلى الحديث عن تقابلات الطعام داخل الحياة الاجتماعية والثقافية العربية، من خلال انسلاك الطعام في التعبير عن المحاسن والمساوئ التي تعاقد عليها المجتمع، وغير تحوله إلى أداة للتعبير عن القناعات الفكرية وآلية هوياتية دفاعية تارة وهجومية تارة أخرى لنصرة الذات والجماعة في مواجهة ابن العم والغريب.

وتناول الباحث في الشق الثاني من هذا الفصل حقل الطعام في ضيافة الآخرة من زاوية الإعجاز الطعامي) في القرآن الكريم والحديث الشريف مبينا كيف كان الاختبار الطعامي المتمثل في الأكل من الشجرة سبباً في هبوط الإنسانية من الجنة إلى الدنيا، ومن ثمة كيف كان الاختبار الشرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج علة الخيرية أمته ومباركتها. كما عرج الباحث في هذا الشق كذلك على القدرةالتصويرية للطعام في الخطابين القرآني والحديثي، ليستجلي وقفات تصويرية ثلاثية بديعة قوامها التصوير التشبيهي والتصوير الاستعاري، والتصوير الكنائي. هذا علاوة على ووقوفه على أن الطعام الأخروي مختلف عن الطعام الدنيوي، فهو مؤطر في بنية مشهدية وصفية تسير وفق منظورين متدابرين إذ يكون تارة شكلاً ثوابياً، يقوم على ثنائية السرمدية والمثالية عندما يتعلق الأمر بالمؤمنين في الجنة، وتارة أخرى يكون شكلاً عقابياً عندما يتعلق الأمر بالكفار والمجرمين في النار.

ثنائية (الحقيقة / المجاز): الطعام وبلاغة الحياة

 سعى الباحث من خلال هذا الكتاب إلى فتح أفق جديد استثمر فيه التحولات المهمة التي مست علم البلاغة، أفق يفتح قراءة النص علي مسرح الحياة الاجتماعية والثقافية، متجاوزاً بذلك القراءة التعليمية الضيقة التي حصرت اهتمام البلاغة العربية في تسمية الظواهر ليعيد من خلال هذا العمل فتح حدود البلاغة لتغدو بلاغة حياة بلاغة تتيح قراءة التراث العربي قراءة ثقافية حضارية، يتحاور فيها التعبير مع التفكير والأنساق مع السياقات. وفي هذا الإطار، قدم الباحث في الطبق الثاني من وليمته البلاغية وجبة وسمها بـ جسور الطعام عمل فيها على الانتقال من الطعام البلاغي إلى الطعام البليغ، وذلك من خلال بحثه في محطة أولى عن آثار الطعام في النظرية البلاغية على مستوى المصطلح والشاهد البلاغي، وعبر البحث، في مرحلة موالية عن محاقلات الطعام في الممارسة البليغة وعن الترميز الثقافي لأصول الطعام ليختتم هذا الطبق بتجلية صور الطعام في المخيال الشعبي العربي.

وبذلك، كشف الباحث في الشق الأول من هذا المحور، عن المرجعية الطعامية في مصطلح البلاغة مستخلصاً الصلات الغائرة التي تربط مصطلح البلاغة بالبلغة والتبلغ الطعامي، وتلك التي تربط مصطلح الفصاحة باللبن الصافي والأخرى التي تعيد مصطلح الاستعارة إلى استعارة الأواني المطبخية، كما أبرز الوشائج التي تربط مصطلح الذوق بتذوق المأكل والمشارب. هذا فضلا عن تحليله المجموعة من الشواهد البلاغية ذات الأبعاد الطعامية، ولا سيما في باب الكناية.

في حين عالج الباحث في الشق الآخر من هذا المحور، مسألة الحضور الطعامي في الممارسة البليغة من خلال ثلاثة مستويات كبرى تجلى الأول في رصد مظاهر التحاقل الكلامي / الطعامي، والذي كشف من خلاله عن علاقات أخرى تصل الأدب بالمأدبة، والفكاهة بالفاكهة والتحميض بالحَمْض والملحة بالملح، ولأن الباحث كريم مع قرائه فقد انفتح عمله في هذا المستوى من التحليل، أيضاً، على المرجعيات الطعامية لأسماء الشعراء والكتاب وعناوين الكتب، وأفصح في المستوى الثاني عن الرمزيات الثقافية لأصول الطعام العربي، وتحديداً: الخبز، والملح، والنار، والماء، ودرس في المستوى الثالث الصور غير الطعامية للطعام، والتي مثل لها: بصورتي الطعام الحكيم، و الطعام الشبقي، مبيناً أن الصورة الأولى تبرز في مدونة الأمثال العربية من خلال استعمالها الأمثال طعامية، أو في تأويل المطابخ العلمية، عند معبري الأحلام، أو في توج بهات العلماء الطعامية لطلابهم وأصحابهم، أو في الرؤية الطبخية للعلوم، هذا في الوقت الذي تتأطر فيه الصورة الأخرى ضمن استعارات معرفية كبرى من قبيل: «الجنس أكل، والمرأة فاكهة.

 ثنائية (الشعر / النثر) مدونة ومتناً

أجاد الباحث اقتناص التقابلات؛ إذ أسعفته المقابلة بين شعرية الطعام ونثرتيه في إعداد الطبقين الثالث والرابع، بمعنى أن تفريعات هذه المقابلة قد شكلت نصف الكتاب، وأسهمت في إعداد شطر المأدبة. هذا التقسيم المنهجي المتن الدراسة قد مكن الباحث من التحكم في سير البحث، ودراً عنه إمكانية التيه في دروب المدونة العربية المترامية الأطراف. وقد تطرق الباحث في معرض حديثه عن شعرية الطعام إلى تيمة قرى الأضياف عند الشعراء، والتي وضح أنها تتأسس على تجاذب ثنائية تقابل بين عناصر مساعدة قوامها: اليفاع، والكلب، والنار، والناقة، وأخرى معيقة هي: الليل، والقر، والزوجة، ووجد الباحث أن خطاب المرأة الداعي إلى الوسطية وحسن التدبير أكثر تعقلاً من خطاب الرجل الداعي إلى إفناء المال والإفراط في التبذير.

وزيادة في استثمار استراتيجية التقابل فقد حلل الباحث من جهة نصوصاً مختلفة لشعراء تفننوا في صفة الأطعمة والأشربة من أمثال: ابن الرومي والمأموني، وذلك قبل أن ينتقل إلى دراسة شعر الشراب جاعلاً من خطاب السمادير المبني على الفضح والبوح والمتولد عن الإمعان في شرب الخمر مرتكزه لبيان علاقة هذا الخطاب باختراق السلط المختلفة

هذا في الوقت الذي توجه فيه الطبق الرابع والأخير من مأدبة الكتاب إلى دراسة نثرية الطعام من خلال ثنائية الكرم والبخل، دون نسيان الدخيل الطفيلي، وهذا ما جعل الطعام ينقسم بين هذا الثالوث في صورة عبر عنها الباحث بالطعام الموهوب والطعام المنهوب والطعام المرهوب، وقد توسع الباحث من خلال ثالوث الكريم، والطفيلي، والبخيل في تجلية تشكلات الطعام داخل نصوص الأخبار والخطب والرسائل والمناظرات والمقامات. هذا وقد تتبع الباحث الطعام الموهوب في النثر الفني، والنثر الإرشادي من خلال كتاب آداب المؤاكلة لبدر الدين الغزي (984هـ). وعير كتب الطبيخ بوصفها ممثلة للنثر العلمي. كما عرض للطعام المنهوب من خلال استجماع فلسفة التطفيل ورصد محكي التطفيل باحثاً في بنيته السردية ومغالطاته الحجاجية والتناصية، ليخلص إلى أن التطفيل رؤية طعامية للعالم تهدم عالم الكرم وتبني عالماً بديلاً. ووضح في خضم دراسته للطعام المرهوب أن البخلاء قد حاولوا، على غرار الطفيليين هدم مفهوم الكرم الهش وراموا بناء مفهوم مغالطي يدعو إلى الاقتصاد وابتداع الحيل لصيانة طعامهم وحمايته من الضيوف والأكلة المتلصصين.

ختاما، لقد جمع كتاب الطعام والكلام حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي للدكتور سعيد العوادي بين الرصانة العلمية والفائدة الإمتاعية، ليعكس بحق تألف ثنائية الطعام والكلام التي يعالجها، الشيء الذي يخوله أن يصبح مرجعا للكلام عن الطعام في التراث العربي، ذلك أن الكتاب لم يبتعد قيد أنملة عن تقصي أثر الطعام في الكلام حقيقة ومجازاً ورمزاً

استراتيجية التقابل في كتاب الطعام والكلام للأستاذ سعيد العوادي

 

الأستاذ الدكتور كمال ذاكر

رابط المقال

آخر المنشورات من هذا القسم

Scroll to Top